03 , يونيو 2026

القطيف اليوم

همسة موسوية.. خيرُكم خيركم لأهله

في نظري القاصر؛ إن كل شخص لا يعتز بأصله وأهله وشرفه، أو ينتقص من عائلته، أو ينال منهم، أو يؤجج الفتن بينهم، أو يورّث الأحقاد لبنيه ومن حوله؛ هو مفتقر للدين والمروءة والوعي مهما كانت المبررات. 

      
خيركم خيركم لأهله؛ ومن ذلك الخير الاعتزاز بهم، وصلتهم، واحترامهم، وإجلالهم، وتقديرهم، وتفهّم ظروفهم، وستر عيوبهم، وغفران ذنوبهم، ومداراتهم؛ لأنهم أولى الناس بالحقوق والواجبات. 

    
المستهترون في احترام أهاليهم، والمستخفّون بأرحامهم وبحقوقهم وواجباتهم فقراء للأخلاق والأدب والتربية؛ وخاصة الذين يورثون أبناءهم الأحقاد منذ نعومة أظفارهم.      

     
بعض النساء هدمن علاقات أزواجهم بآبائهم، أو أمهاتهم، أو إخوانهم، أو أخواتهم، أو بهم جميعًا، ويحسبون أنّهنَّ يحسنون صنعًا. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ)، وما ينطبق على بعض النساء ينطبق على بعض الرجال؛ وخاصة الأولاد غير الموفقين. كل من أمر بقطع رحم أوجب الله صلتها حارب الله في أمره، وكفاه ذلك خزيًا في يوم الورود. 

    
يتجنّب الإنسان بعض أرحامه عند الأذى المؤكد أو الغالب، وقد يسقط حقوقهم ويبتعد عنهم في هذه الحالة، ولكنّها قليلة أو نادرة قياسًا بعدد الأسر الكلّية للعائلة، ولا تستوجب أو تستدعي النقمة على الأهل والأرحام بشكل عام. 

      
ولا مبرّر -من دون عذر- للانطوائي أو للخجول أو سواهما لقطع أرحامهم البتّة. 

    
كانّ الأرحام يلتفّون ببعضهم في الأفراح والأحزان فيكونون لهم سندًا وعزًا وظلًا وشفاء؛ واليوم يقتصر جل الناس على أدنى الأدنى في ذلك، ولو تمكّنوا من العدم لفعلوا تحت أي عذر أو مبرر ادّعوه. 

   
فواتح لا تجد أهلها فيها بعد نصف ساعة من انتهاء القراءة وحضورٌ على استحياء، وأفراح يسلّمون فيها على أرحامهم سلام الغرباء ويخرجون!!، وكأنهم يديرون الكون بأسره وأوقاتهم الذهبية لا تقدّر بثمن. 

    
وآخرون لا يقدّرون من أرحامهم إلا الأعمام والعمات أو الأخوال والخالات المباشرين، وما عداهم من أفراد العائلة فليسوا بأرحام ولا حقوق لهم ولا واجبات؛ لذلك تجدهم في مناسبات أعمامهم وأخوالهم وعماتهم وخالاتهم فحسب، وما عدا ذلك فلا تجد لهم أثرًا. 

     
ليتني وليت من أحببت يوجه أولاده وبناته لذلك قبل فوات الأوان ومنذ الطفولة المبكّرة؛ لأن من شبّ على شيء شاب عليه. 

       
كم أخشى أن يصبح أولادنا وبناتنا شبانًا وشابات وهم غير مدركين لواجباتهم الشرعية والأدبية والأخلاقية تجاه أهاليهم وأرحامهم. 

     
ينبغي أن يكون الأب قدوة في ذلك، وتكون الأم قدوة في ذلك؛ ليسير الأبناء على هدى آبائهم وخطواتهم المباركة. 

 
قد لا تنسجم ميولك مع أخيك، أو رحمك وبمعنى آخر: هو لا يشبهك؛ بحيث تختلفان في الرؤى، والأهداف، والسلوك، والقناعات، والأولويات؛ غير أن ذلك كله لا يبرر لك قطيعته بحال. هناك حقوق وواجبات للرحم لا يمكن تجاوزها أو التهاون فيها أبدًا إلا مع الأذى البالغ والمستمر. 

    
عاش أخوان فاضلان عقودًا من الزمن متخاصمين بحيث لا يكلّم أحدهما الآخر، وأراد ابن أحدهما الزواج بابنة عمه المعني غير المتوافق مع والده، وعرض الأمر على أبيه فبارك له الخطوات، وشجعه، ودعمه، وسعى في تذليل الزواج ما أمكن، وبالمقابل قبل الأخ بابن أخيه زوجًا لابنته،  وبارك، وهنأ، ودعم وسعى وجمع بينهما، وعاشا عقودًا من الزمان في سعادة وهناء بحيث يتعامل الأخوان المعنيان مع هذه الأسرة بمنتهى اللطف والرحمة والحب والحنان والاحترام، ولم يربط كلاهما خلافهما بالأسرة، ثم انعكس الأمر في الترويج مرة ثانية بحيث تقدم أخو الزوجة لابنة عمه، وكان ما كان في الأولى تمامًا تمامًا. 

   
استمر خلاف الأخوين ولكن خارج هذه الأسر وبحدود وأخلاق وآداب؛ فلا فجور، ولا تعدّي، ولا استخفاف، ولا توريث للأحقاد، ولا قطيعة كاملة للرحم. 

   
احتفظ الطرفان بجسور من الحب تبقيهما على تواصل ولو من بعيد؛ وكان لهذه الجسور المتينة أثر بالغ في لمّ الشمل فيما بعد. 

    
من هنا؛ ندرك أن الاختلافات بين الأرحام واردة نتيجة عدم التشابه، أو عدم الانسجام، أو النفور القلبي غير الإرادي، أو اختلاف التفكير والطباع والميول؛ ولكنها ليست مبررًا للقطيعة الكاملة، أو التجاوز، أو الظلم بحال. 

    
إذا كانت الحروب الطاحنة لها آداب خاصة، فكيف بالاختلافات أو الخلافات بين الأرحام.

     
ختامًا: صلة الرحم امتثال لأوامر السماء لا يحتاج إلى تأمل أو تفكير: 
قال تعالى: (وآت ذا القربى حقه). 
قال تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام). 
قال تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين). 

  
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، ومدمن سحر، وقاطع رحم» وقال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (في كتاب علي (عليه السلام): ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبدًا  حتى يرى وبالهن: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة يبارزُ الله بها) وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إن صلة الرحم تزكي الأعمال، وتنمي الأموال، وتيسر الحساب، وتدفع البلوى، وتزيد في العمر). 


error: المحتوي محمي