12 , يونيو 2026

القطيف اليوم

نظام الطيبات.. بين التجربة الشخصية والتحذير الطبي

قد يخسر الإنسان بعض الوزن بتغيير طعامه، لكن خسارة الوزن شيء، وخسارة السيطرة على مرض مزمن شيء آخر. والخطر لا يبدأ عندما يغيّر الإنسان ما في طبقه، بل عندما يغيّر دواءه أو يوقفه اعتمادًا على نصيحة لم تثبتها الدراسات والأدلة العلمية.

ومن أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان نعمة الصحة، ولذلك يحرص الناس على اختيار أفضل ما يستطيعون من لباس وسكن وطعام، وعند المرض يبحثون عن أمهر الأطباء وأفضل وسائل العلاج حفاظًا على هذه النعمة الثمينة. ولأن الصحة ليست مجالًا للتجارب أو الاجتهادات غير الموثقة، فإن التشخيص والعلاج والأنظمة الغذائية تحتاج إلى أدلة علمية ودراسات موثوقة تثبت فائدتها وسلامتها. فحسن النية أو كثرة التجارب الشخصية لا يكفيان للحكم على فعالية أي علاج أو نظام غذائي ما لم تؤيده البراهين العلمية.

ومن هنا تتضح حقيقة مهمة، وهي أن الغذاء والعلاج ركيزتان أساسيتان للحفاظ على الصحة، ولا ينبغي أن نتبع أي محتوى صحي لمجرد انتشاره أو استحسان البعض له، بل لا بد من التثبت من مصادره العلمية واستشارة المختصين قبل تطبيقه.

وفي السنوات الأخيرة انتشر ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، وهو نظام غذائي وضعه أحد الأطباء، ويقوم على تقسيم الأطعمة إلى أطعمة «طيبة» يُنصح بتناولها، وأخرى «خبيثة» أو «ضارة» يُنصح بالابتعاد عنها. ويعتمد النظام على السماح بتناول بعض الأطعمة مثل اللحوم والأسماك والأرز والبطاطس وزيت الزيتون وبعض الفواكه، في مقابل منع مجموعة واسعة من الأطعمة الشائعة مثل البيض والدجاج والبقوليات والحليب والزبادي وكثير من الخضروات والفواكه.

وقد وجد هذا النظام قبولًا لدى بعض الناس الذين تحدثوا عن تحسن في الوزن أو النشاط أو بعض الأعراض الصحية بعد اتباعه، إلا أن التحسن الفردي أو التجارب الشخصية لا تكفي وحدها للحكم على صحة أي نظام غذائي أو فعاليته على المدى البعيد. فبعض التحسن قد يكون ناتجًا عن تقليل الإفراط في الطعام أو فقدان الوزن أو الابتعاد عن بعض العادات الغذائية غير الصحية، وليس بالضرورة نتيجة صحة جميع الفرضيات التي يقوم عليها النظام.

ومن المهم التفريق بين الاستفادة الشخصية من نظام غذائي معين وبين إثباته علميًا كوسيلة علاجية. فقد ينجح بعض الأشخاص في إنقاص الوزن أو تحسين بعض المؤشرات الصحية عند اتباع أي نظام يؤدي إلى تحسين العادات الغذائية أو تقليل السعرات الحرارية، لكن ذلك لا يكفي لإثبات أن هذا النظام يعالج الأمراض المزمنة أو يصلح لجميع الناس. فمثل هذه الادعاءات تحتاج إلى دراسات سريرية محكمة ومنشورة في المجلات العلمية المعتبرة تثبت الفعالية والأمان قبل التوصية بها طبيًا.

ويكمن الجدل الأكبر حول نظام الطيبات في أن بعض المتحمسين له ذهبوا إلى أبعد من كونه نظامًا غذائيًا، فاعتبروا أنه قد يغني عن أدوية الأمراض المزمنة أو يقلل الحاجة إليها، وهو أمر ترفضه الجهات الطبية والعلمية بصورة واضحة. فالأدوية الموصوفة لمرضى السكري أو الضغط أو أمراض القلب لم تُعتمد إلا بعد سنوات طويلة من الدراسات والأبحاث والتجارب السريرية الدقيقة، ولا يجوز إيقافها أو تعديل جرعاتها بناءً على تجارب فردية أو توصيات غير موثقة.

وفي الثامن من يونيو 2026 أصدرت وزارة الصحة السعودية تحذيرًا رسميًا من اتباع الأنظمة الغذائية غير المثبتة علميًا أو استخدامها بديلًا عن العلاجات الطبية الموصوفة، وذكرت بالاسم «نظام الطيبات»، مؤكدة أن ذلك قد يعرّض الأفراد لمضاعفات صحية خطيرة. كما أوضحت الوزارة أنها رصدت حالات صحية تدهورت بعد إيقاف الإنسولين أو أدوية السكري أو خفض جرعاتها اعتمادًا على توصيات مرتبطة بأنظمة غذائية متداولة دون الرجوع إلى الطبيب المختص. وأشارت إلى أن بعض هذه الحالات استدعت التدخل في أقسام الطوارئ والتنويم في العناية المركزة نتيجة الارتفاع الشديد في مستويات سكر الدم ومضاعفات مرض السكري.

وأكدت الوزارة أن تصنيف الأطعمة بصورة مطلقة إلى نافعة وضارة، أو استبعاد مجموعات غذائية أساسية دون مبرر طبي، قد يؤدي إلى نقص العناصر الغذائية الضرورية للجسم، مشددة على أن النمط الغذائي الصحي يقوم على التوازن والتنوع لا على الحرمان والإقصاء. كما دعت كل من أوقف علاجًا موصوفًا أو خفّض جرعته إلى مراجعة طبيبه وعدم انتظار ظهور المضاعفات، مع أهمية استشارة الطبيب وأخصائي التغذية المعتمد قبل اتباع أي نظام غذائي ذي أهداف علاجية.

ويبقى السؤال الأهم: هل تكفي التجربة الشخصية لإثبات صحة أي نظام غذائي؟

العلم يقول: لا.

فالتجارب الفردية قد تنجح مع شخص وتفشل مع آخر، وقد تتأثر بعوامل كثيرة لا يمكن ضبطها أو تعميمها، أما ما يُبنى عليه القرار الطبي فيجب أن يكون قائمًا على الدراسات والأدلة العلمية الموثوقة، لا على الانطباعات الشخصية أو القصص المتداولة.

إن الغذاء الصحي شريك مهم في الوقاية والعلاج، لكنه ليس بديلًا عن الطب، كما أن الدواء ليس عدوًا للغذاء. وعندما يتكامل الغذاء السليم مع العلاج الصحيح والإشراف الطبي تتحقق الفائدة المرجوة. أما حين يحل الاجتهاد الشخصي محل الدليل العلمي، فقد يتحول البحث عن الصحة إلى سبب لفقدانها.

ولهذا فإن أي تعديل في الأدوية أو الجرعات أو الخطط العلاجية يجب أن يتم بالتشاور مع الطبيب المعالج، لا بناءً على التجارب الفردية أو المحتوى المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي.

ولذلك فإن أثمن ما يحافظ عليه الإنسان ليس اتباع نظام غذائي جديد، بل الحفاظ على صحته بعقلٍ متزن، ومعلومة موثوقة، وقرارٍ مبني على العلم.

د. عيسى عبدالعال العقيلي
استشاري أمراض القلب واستشاري الباطنية


error: المحتوي محمي