03 , يونيو 2026

القطيف اليوم

التحسين والتطوير الأخلاقي 

ورد عن رسول الله (ص): أيُّهَا النّاسُ، مَن حَسَّنَ مِنكُم في هذَا الشَّهرِ خُلُقَهُ كانَ لَهُ جَوازا عَلَى الصِّراطِ يَومَ تَزِلُّ فيهِ الأَقدامُ)(أمالي الصدوق ص 154).

شهر رمضان شهر المغفرة والرحمة والتجاوز والغفران يحوي الكثير من الفرص لتغيير الذات وما تحمله من سلبيات وأخطاء، وهو فرصة لتحسين الأخلاق والسمو بالنفس للارتقاء والتخلي عن سوء الخلق وتطبيق القيم الأخلاقية الطيبة، لما لحسن الخلق من آثار عظيمة ليست فقط على الفرد وإنما يشمل ذلك الأثر مناحي المجتمع وحركة تطويره وتقدمه. 

شهر رمضان ليس فقط شهر التعبد والتقرب لله بصنوف الطاعات بالمفهوم الخاص، وإنما هو شهر إصلاح وتهذيب وصلاح النفس وتقوية العلاقات الاجتماعية، ومن أراد أن يتهذب ويرتقي بنفسه لتصل للكمال لا بد أن ينتبه لتصرفاته وأخلاقه وتعامله مع الجميع، وإن أراد التغيير الإيجابي ليبدأ من هذا  الشهر ويترجم العبادات إلى سلوكيات وتصرفات محببة.

وأهم الأمور التي تساعد على تحسين الاخلاق مع الله -عز وجل- ومع النفس ومع الناس هو الصبر، فمتى ما كان الإنسان صابرًا ولديه مقدرة على التحمل وضبط نفسه بدأ بالصبر على الطاعات ومجاهدة النفس وترك المعاصي وكل ما يدنس صفاء قلبه وهو ما يسمى بالجهاد الأكبر (مجاهدة النفس)، عندما يصبر ويتحمل الجوع والعطش ويقيم فروضه ووجباته تجاه رب العزة والجلالة بنفس راضية متقربًا إليه سبحانه راجيًا ثوابه، بعدها يدخل في دائرة التحكم في نفسه وتعديل سلوكه مع الناس فيبتعد عن الغضب والعصبية والشتم ويغض طرفه عن المنازعات والخصومات؛ لأنه تأدب في خطابه مع الله -عز وجل- واعترف بتقصيره أمام خالقه، فتفتحت له أنوار البصيرة من خلال التوبة الصادقة، فعندما يتعرض لأي موقف يترفع عن الوقوع في ما يشين ذاته؛ لأن كثرة النزاعات والخصومات تجعل قلبه يمتلئ حقدًا على غيره من إخوانه المؤمنين، وهذا الحقد يسبب اسودادًا في قلبه فلا يستطيع أن يتوجه بقلب سليم لخالقه. 

والكرم والسخاء من تجليات شهر رمضان فهو شهر الضيافة الإلهية، نرى بعين القلب موائد العطاء التي يقدمها الله لعباده  فيقابل -عز وجل- أبسط ما يقدمه العبد من طاعات بالثواب الجزيل، وهنا نرى المؤمن يتقرب إلى الله بمختلف العبادات طمعًا في كرمه، هذا السلوك الذي يسلكه العبد مع الله يفتح له طريقًا مع عباد الله ويتصف بصفات الجلالة من الكرم والعطاء والسخاء بكل ما تجود به نفسه، فيزداد حسنًا في أخلاقه لأنه يرى كل ما يقدمه لإخوانه المؤمنين لا يعادل شيئًا أمام عطاء الله وكرمه، فنراه يقبل على الفقراء ويبحث عنهم ويتفقدهم، يشعر بإخوانه في معاناتهم المادية والمعنوية فيكون قلبه عامرًا بالمحبة ويقصده الجميع ويقضي حوائجهم بنفس قانعة. 

وتقوية الروابط الاجتماعية من إفادات وثمار الشهر الكريم، متى ما وثق المؤمن علاقته بالله وتقرب منه وأصبح لا يرى شيئًا أمام ناظره غير خالقه، بدأ يفكر في علاقاته الأخوية مع المؤمنين محاولًا تقوية تلك العلاقة برابط الإخاء والمحبة، تأدب في محضر الله وأصبحت علاقته قوية بخالقه، نراه شخصًا محبوبًا حيث كف لسانه وبصره فلا يظهر إلا طيب الكلام، يمشي بين الناس بالتواضع والتسامح والعفو عند المقدرة عمن ظلمه ووجه له الأذى، متخلقًا بأخلاق الله -عز وجل- متمثلًا بقول رسول الله: (أدبني ربي فأحسن تأديبي).

ومن الظواهر كذلك في تقوية العلاقات الاجتماعية السعي في الإصلاح بين الناس، وليس هناك أفضل من شهر رمضان شهر إصلاح النفس والمصالحة مع الذات، منتقلًا بعد ذلك للإصلاح بين إخوانه المؤمنين وتذكيرهم بلطف ولين جانب بأن أعظم الذنوب هو المخاصمة وعدم التسامح والعفو، وليكن الله سبحانه وتعالى شاهدًا علينا في ذلك كما هو يعفو ويصفح عن المذنب فكيف بنا نحن عباده لا نقبل المصالحة والبعد عن الخصومة.


error: المحتوي محمي