04 , أبريل 2026

القطيف اليوم

كورجة!

وقف السير في الطريق لسبب غير معروف وبعد ساعة من السير البطيء انكشف الخبر ووصلنا إلى المنطقة التي سببت التأخير وإذا بحادث يتكون من سيارات عدة عطلت السير وفي الأثناء وبينما نوافذ السيارات مفتحة سمعت من بعض الأشخاص يقولون هذا ليس بحادث، هذا كورجة!

فأرجعتني تلك الكلمة إلى الوراء لأكثر من أربعين سنة عندما كنت أساعد جدي/ حجي عبدالله الرويعي (أبو عبد الرؤوف) في بيع الثياب ومستلزماتها من غتر وطواق وعقل في مواسم العيد، كنت دائمًا أسمع منه كلمة كورجة، "قوم روح وجيب الكورجة الفلانية من الدكان". "افتح الكورجة" إلخ.

كان تجار المنطقة يجلبون الثياب الرجالية الجاهزة من الأحساء، وهذا قبل وجود الخياطين في المنطقة، حيث منطقة الأحساء مشهورة بفنون الخياطة خاصة حياكة البشوت والثياب والكثير من المنسوجات، وقد تحدث التاريخ عن الثوب الهجري/الأحسائي وشهرته في عالم المنسوجات، وقد ذكرت المصادر في مواضع كثيرة أسماء المنسوجات الصادرة من مختلف مدن هجر/ الأحساء إبان العصر الإسلامي الأول، فقد ذكر ابن سعد أن هوذه بن علي الحنفي كسى سليط بن عمر العامري أثوابًا من نسيج هجر، وجاء عن ابن سلام الجمحي أن أولاد عامر بن عوف أهدوا الحطيئة حللًا من هجر، كما جاء عن عبدالله بن معاذ أن سويد بن قيس ومخرمة جلبا ملابس/بزا إلى مكة فاشترى الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- منها بعض الملابس.

وقد اشتهرت بهذا منطقة الرفعة في الهفوف ومنها خاصة عائلة الهلال، والياسين، والعوض، والغريري، والمرزوق، والقطان، وبو حليقة والبومرة وغيرهم من العوائل المشهورة في هذا المجال.

أخلص مخايطة الملابس والبشوت من أبناء الأحساء لمهنتهم المحببة إليهم وقد توارثوها جيلًا بعد جيل وحافظت على حرفة فنية تميزت بها الهفوف خاصة طوال قرون حيث لبس من عمل أيديهم مشاهير المجتمع من ملوك وأمراء ووزراء وأعيان ومشايخ ورؤساء قبائل وبقية أفراد المجتمع من كافة الجزيرة العربية.

وقد تذكرت قصة ذلك المحل في سوق الحميدية في دمشق عندما ذكر لي نوع/براند بشت بو حليقة وشهرته في سوريا وخاصة إلى شيوخ عشائر الشام وبالخصوص في منطقة الجزيرة الفراتية الذين لا يستغنون عن لبس البشوت في كل الأوقات.

كلمة كورجة جعلتني أغوص قليلًا في الأعماق ولو نزلت أكثر لاستخرجت من منطقة الأحساء الكثير من الكنوز والمعارف التي تحويها. كورجة مصطلح أحسائي يطلق على بندلة أو مجموعة من الملابس أو البشوت المكونة من عشرين قطعة.

الماضي لا يموت ولكنه يبعث في الحاضر آلاف الصور، نتذكر ونسترجع الذكريات الجميلة وتلك الكلمات (كورجة) التي بعضها اندثر ولكنها في الذاكرة. المحافضة على تلك الكلمة القديمة فيها استرجاع للماضي الجميل، لكن ليس جميلًا وليس سعيدًا أن ترى يوميًا كورجة من الحوادث وإن كانت كلمة كورجة تدغدغ المشاعر.


error: المحتوي محمي