03 , يونيو 2026

القطيف اليوم

بعدين..

نستخدم الـ"بعدين" في كثير من الأحيان لتأجيل أمر ما إما لحاجته لوقت أطول مما هو متاح حاليًا، أو لتأخيره لوقت غير معلوم لعدم أهميته. 

وقد يحادثنا أحدهم بأمر ما ونطلب منه تأجيل الحديث لـ"بعدين" خاصة حين يكون حديثًا نتوقع فيه خوضًا في أخطائنا ونُصحًا لنا فنطلب الحديث لاحقًا وفي الواقع نحن نهرب ونتجاهل المواجهة فيه لأنه سيعكر مزاجنا بعرض سلبياتنا حتى أمام أنفسنا. 

فلسفة  الـ"بعدين" تحمل بُعدين هما  بُعد التخدير وبُعد التعزيز، فإما أن نخدر أمرًا ما لحين يقضي عليه المخدر بطول الانتظار، وإما أن نعززه لأننا سنوليه أهمية أكبر ونتحضر له كما ينبغي حين نعطيه كلمة بعدين لأننا سنلغي كل انشغالاتنا لأجله وحتى نفي بكلمة بعدين. 

فكم تُراها قيلت لنا "بعدين أكلمك" وتم الكلام لاحقًا فعلًا، في قبالة من نسي أمر كلمته وطارت "بعدين" لأبعاد أخرى؟.

نعم في جو ازدحام المشاغل والمسؤوليات قد نضيّع عدد من قلنا لهم أو قلنا في خواطرنا "بعدين" سأرد عليهم ولم تسنح لنا فرصة لذلك أو غاب عن أذهاننا العودة لهم. 

ربما سنحتاج لكلمات مساعدة تدعمنا في حال أخفقنا في العودة، مثل : "إذا فضيت"، "إذا خلصت"، "إذا مانمت"، "إذا لم أنسَ سأرسل بعدين وذكرني حال نسيت"، حين نقيدها بقيد تخف وطأة طول الانتظار الذي سينتظرنا فيه الآخرون. 

فمن واقع الحياة نحن قليلو صبر بالانتظار فقط ألقِ نظرة على الشارع في الإشارات أو الازدحامات أو حتى بالوضع العادي هناك من لا يتحمل الانتظار لثوان حتى يتحرك الذي أمامه فيناور ويتجاوز وربما يعمل حادثًا فقط لعدم صبره لثوان معدودة!. 

نحن نكره الانتظار الطويل في طوابير الانتظار لأننا نشعر بضياع الوقت فقط بالوقوف لحجز دور أو رقم كي لايأخذه عنا غيرنا. 

أنا واحدة من الناس ربما أفضّل السفر بالحافلة بدل الطيران فقط كي لا أنتظر طويلًا بقاعات الانتظار بالمطار، وأعلم أن الحافلة قد يكون فيها انتظار خاصة إذا كانت هناك فئات من الناس لا تراعي كونها مع مجموعة فتهدر وقتهم، لكن بالمقابل الطائرة لن تنتظرني والحافلة ستنتظرني وستتفقدني لو حصل لي ظرف أخرني، فنحن نكره الانتظار وبنفس الوقت نحب من ينتظرنا!!

لا يعجبنا أن نظل على مقاعد الانتظار والاحتياط لساعات طويلة لتلقي خدمة معينة في بعض الدوائر، ولكن ربما قد نُجلس أجسادنا وأرواحنا على مقاعد الانتظار لسنين لترك عادة سيئة تضرنا قطعًا. 

فقط لنسأل أنفسنا عن أي عادة سيئة لو تركناها لأصبحنا بخير وكم دامت لدينا من سنين ولم نتخلص منها لندرك صبر أرواحنا علينا وأننا نحبها لأنها تنتظرنا دون سأم ونحن نتلو عليها تعويذة "بعدين"، ولكن السؤال هنا إلى متى سيفك قيد "بعدين" ليصبح حالًا والآن؟ 

لماذا الكثير لا يفك قيدها إلا حين تتعرض حياته للخطر الحقيقي، حين نشرف على المرض والموت بعدها نستفيق لنبدل الـ"بعدين" إلى شيء واقع حالاً. 

أحد المدربين الذين حضرت لهم إحدى المحاضرات يقول كان يلتقي بأحدهم وينصحه بممارسة الرياضة لإنقاص وزنه لأنه كان يشكو مشكلات صحية وكان يتعذر الرجل دومًا بعدم وجود وقت لديه، وتدور الأيام ليراه مرة أخرى وقد تغير وزنه وحين سؤاله ذكر أنه وصل للموت، حينها بادره بقول الآن أصبح هناك وقت للرياضة!. 

لماذا ننتظر حين تتقلص كل الفرص بتسويفنا ونبقى للنفس الأخير لنعلن عقد التغيير؟ 

فقبل أن ندقق على كم مرة قال لنا الآخرون "بعدين" وننزعج لطول انتظارنا لهم، فمن باب أولى فلندقق النظر كم مرة قلنا لأنفسنا بعدين وتركناها على كرسي الانتظار لحين اليأس والمرض؟ 

متى ستتطور في علمك؟ بعدين
متى ستترك ما يضرك؟ بعدين
متى ستتفقه في دينك وتلتزم فيه؟ بعدين
متى ستكتسب لغة ومهارة جديدة؟ بعدين 
متى ستعلن كفاءاتك وبصمتك بالحياة؟ بعدين
متى ستهزم رغبتك وشهواتك؟ بعدين  
متى ستزور طبيب روحك ليعالج ضعفها؟ بعدين 
متى ستهدي أحد من الناس لطريق الله؟ بعدين
متى ستعرف العالم على أهل البيت (ع) من خلال أخلاقك؟ بعدين وبعدين... 

آسفة إن كان تكرار كلمة "بعدين" في مقالي يبدو مزعجًا للقارئ لكن هو ما أريد إيصاله، فكل ما ذكرته قد يكون مُحتمل وقد يتم التجاوز عن إنزعاج أنفسنا والآخرين فيه، لكن إيانا أن نقول لظهور إمام زماننا (ع) "بعدين" لأننا لسنا مستعدين رغم تفشي الفساد بالأرض فإذا جاء موعد الحق في الظهور سُتلغى كل مرادفات "بعدين" فلا يبقى وقت لمزيد من الانتظار..


error: المحتوي محمي