14 , يونيو 2026

القطيف اليوم

يحق للطيبين ما لا يحق لغيرهم

يقال إن لكل جيل امتيازاته الخاصة، لكن يبدو أن هناك امتيازًا لا يزال محتكَرًا لجيل واحد دون غيرهم… "جيل الطيبين".

بالأمس كنت أقف في طابور عزاء طويل في مدينة القطيف.

ونظرًا لضيق الحسينية، انقسم الحاضرون إلى مسارين متوازيين يلتقيان قبل الوصول إلى أهل الفقيد.

أثناء سيرنا، وصل أحد كبار السن إلى نقطة التقاء المسارين، فابتسم وقال لمن يقابله:

"شباب… تفضلوا".

التفتُّ إليه متعجبًا في داخلي. الرجل تجاوز الستين من عمره، ومع ذلك ما زال ينادي من هم في مثل سنه بـ"الشباب".

ولم أكن الوحيد الذي لاحظ ذلك.

فقد كان خلفي شابان في مقتبل العمر، التقطا العبارة نفسها.

قال أحدهما لصاحبه مبتسمًا:

"إذا كان هذا شابًا، فماذا نكون نحن؟"

فضحك الآخر وقال:

"إحنا جهال".

سمعت حديثهما فضحكت، فالتفتا إليّ وكأنهما يطلبان شهادة محايدة.

فقلت مبتسمًا:

"معكما حق".

واستمررنا نمشي ببطء حتى اقتربنا من أهل العزاء.

وعند التقاء المسارين مرة أخرى، كان لا بد أن يتوقف أحد الصفين ليعطي الأولوية للآخر.

هنا وقع ما لم يكن الشابان يتوقعانه.

فالرجل نفسه الذي كان قبل دقائق من "الشباب"، أشار إلى أحد الشابين، ثم أشار إلى لحيته البيضاء، وكأنه يقول:

"أنا أكبر منك سنًا… ألا ترى بياض لحيتي؟… والأولى أن أتقدم".

فتراجع الشاب بكل أدب، وفسح له المجال احترامًا لسنه، وإن بدا على وجهه شيء من التعجب.

وما إن مر الرجل حتى التفت إلى صاحبه وقال بصوت خافت:

"قبل شويا كان من الشباب… والحين صار شيبة ولحيته بيضاء!!"

هزّ صاحبه رأسه مبتسمًا وقال:

"هذا من جيل الطيبين".

ثم أضاف عبارته التي اختصرت المشهد كله:

"يحق للطيبين ما لا يحق لغيرهم".

التفتُّ إليهما وقلت مبتسمًا:

"لهم ما لهم… ولكم ما لكم".

ثم سكتُّ قليلًا قبل أن أضيف:

"أما أنا…؟"

بينكم وبينهم أقف أنا… فالعمر يشدني إلى جيل الطيبين، أما ما في داخلي فيفهم جيدًا ما تضحكان منه.

وغادرت الحسينية وأنا أفكر في تلك المنزلة الخاصة التي يمنحها جيل من الأجيال لنفسه فقط.

ففي نظر أصحابها…

هم شباب إذا نادوا بعضهم بعضًا، وشيبان إذا جاء وقت التقدم.

ولكن… يحق للطيبين ما لا يحق لغيرهم.


error: المحتوي محمي