14 , يونيو 2026

القطيف اليوم

مع نهاية العام اجعل لنفسك خطة «حوكمة» لعملك ومستقبلك

الأيام تمر على الإنسان ولا يجد وقتًا يرى فيه نفسه وموقعه وإنجازاته وإخفاقاته، سواء في الدنيا التي نعتبر فيها الربح والخسارة والإنجاز والإخفاق، أو في الآخرة بقيم أخرى كالثواب والعقاب والجنة والنار، وهو بحاجة إلى أن يقف لحظات يقيّم فيها نفسه ويحدد كيفية التعامل مع المستقبل القادم.

نجد في هذه الآية الكريمة توجيهًا جميلًا لحاجة الإنسان إلى التوقف مع النفس ومحاسبتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: 18-19]، وهو أمر عقلائي أيضًا.

نجد أن الخطاب القرآني هنا موجه للمؤمنين؛ لأنه خطاب تربوي مناسب لفئة تؤمن بالآخرة، إذ يتجه إلى المعنيين بالخطاب والقادرين على السير معه، كما نراه في مناسبات عدة منها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فنجد التعبير بالمؤمنين. وإذا كان الخطاب خطاب شمول أو وعيد نجده موجهًا لعامة الناس، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؛ لأنه يحمل عقيدة وتعريفًا بالله وصفاته.

وأمامنا ثلاثة عناوين مهمة؛ أولها «التقوى»، وهي الورع عن محارم الله في القول المشهور، وإن أمكن تعريفها بكونها بناء الذات لتكون قادرة على مصارعة المعصية والانقياد إلى الطاعة. والعنوان الثاني هو ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ﴾، فإن نظر النفس يحمل عدة معانٍ، كالمراقبة والتدقيق في السلوك، سواء كان عمل طاعة لتجنيبه الرياء والسهو وإن ظهر عملًا روحانيًا؛ فالطاعة بحاجة إلى إخلاص وحضور للقلب ورؤية الله، فلا قيمة حقيقية لتلاوة جميلة تخلو من التدبر والتفكر والتعرف إلى معاني تلك التوجيهات الإلهية.

أما العنوان الثالث فهو ﴿مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾، وهي نكرة تفيد الإطلاق، ويمكن تعلقها بالدنيا والعمل المشروع بحيث يكون بعيدًا عن الظلم والغصب والغيبة، كما يمكن حملها على المعنى الأخروي، وهو مذاق كثير من المفسرين؛ لكون الآية التالية: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ تفيد المراد الأخروي، وإن أمكن الجمع بينهما؛ لأن نجاح الإنسان في عمله الدنيوي بطاعة الله ينجيه من عقاب الآخرة الذي يكون بسبب المعصية والذنوب.

فالبيت الواسع والسيارة الفارهة من نعم الله، وللإنسان أن يتنعم في حياته ما دام قادرًا ويؤدي حق الله فيها.

ولو توجهنا إلى كلام المعصوم، مما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام حينما يربط بين المحاسبة والموازنة، فإنها تختصر معاني كبيرة؛ فالمحاسبة هي نتائج الربح والخسارة بين المدخلات والمخرجات: «حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنوا». بينما نجد أن الموازنة هي البحث عن طريقة العمل ونتائجه وقيمته وكيفية تنظيمه وتنقيته، وتختصرها كلمة «وزِنُوها»، وهي تفيدنا في مفهوم الحوكمة الذي يطرحه الإداريون اليوم وأصبح نظامًا إداريًا واسعًا، ويعني مراقبة سير العمل ليؤدي إلى النتائج المرجوة.

نحن بحاجة إلى أن نضع لأنفسنا برنامج حوكمة سنويًا يصحح المعوج ويوجهنا إلى الهدف المطلوب، فلا نترك النفس تسير بتوجيه الآخرين والسير معهم دون وعي أو بصيرة.

قد يقصر الإنسان تجاه شيء، وقد لا يتقن شيئًا، وقد يخطئ تجاه أناس غيبةً وبهتانًا وظلمًا، وكل ما نحتاجه هو أن ندوّن ما عندنا من أخطاء، فنضع خطة لإصلاحها؛ فبعضها يمكن إصلاحه بقرار، وبعضها يحتاج إلى علاج وزمن أطول، وكلها تعتمد على هدف الإنسان وإرادته وقدراته وقوته وعزمه على مواجهة الانحراف أو تثقيف الطاعة.

وليجلس الإنسان مع نفسه ويضع لها برنامجًا مناسبًا بأهداف وسبل لتحقيقها، ويتابع سيرها وتصحيحها حتى ينتهي عامه، ليتعرف على ميزان ما حقق وما أخفق، وكيف يصلح ذاته ويثبت نفسه على الصالح من العمل.


error: المحتوي محمي