19 , يونيو 2024

القطيف اليوم

شر الخصومة ما يضحك 

ماذا لو تسامحنا فيما بيننا؟ ماذا لو بادر ذلك الذي يظن أنه صاحب حق بأن يغفر ويتسامح؟

لماذا لا يتنازل ذلك الذي يظن أن الحق معه حفاظًا على الوشائج والترابط والسلم والمحبة؟ 

لماذا لا نحاول الحفاظ على حبال المودة والتواصل قدر ما نستطيع، ونتنازل مهما كانت أسباب القطائع؟ ونرمم ما يتداعى بيننا مباشرة بدلًا من أن يُدك ويصبح أثرًا بعد عين. 

لا يمكن أن يستمر التباعد والتباغض مهما كانت الأسباب، ونحن لدينا ألف وسيلة ووسيلة يمكننا ببعض منها ترطيب القلوب وتهدئة النفوس. لدينا قيم ومبادئ وفضائل مكتسبة تشربناها من مشارب أصيلة وينابيع نقية، فضلًا عن الدين والعلم، وقد طبعت فينا بعد أن تعلمناها وهضمناها، وأصبحنا نجيدها وببساطة متى ما أردنا. نعلم أن الزمن يتغير وتتغير معه العادات والتقاليد وبالتالي يتغير الناس، نعلم أن الحياة تركض بنا وهي تغالبنا، ولكن وقطعًا نستطيع أن نغلب فيها حسن الظن على قبيحه متى ما أردنا ذلك.

كم هو مؤسف أن نعيش واقعًا سلبيًا نراه بين الناس بمختلف العلاقات والصلات، حيث تتأجج الخصومة لأتفه الأسباب، ليبدأ من خلاف عابر إلى عداء فاجر، بدلًا من أن نتقيه بلين الجانب والعمل على احتواء أي إشكال وليس الإيغال في العناد والمكابرة، حتى أصبح هذا النهج عرفًا درج عليه البعض. واستشرى ليصبح مشكلة مجتمعية لا ندري كيف ننفك منها بدل تعميقها بالإصرار والترصد.

نحن هنا لا نتشاءم، وكأن مجتمعاتنا خالية من القيم، ولكن هي ظاهرة شاخصة وواقعية لا يمكن التغاضي عنها ولابد من إيجاد حل لها، ومحوها من خارطة واقعنا. 

فمن غير المعقول أن يتفشى ذلك في مجتمعٍ  متقارب الوجدان والدم والوشائج. ونراه في الأقارب ومن مختلف درجات القرابة. 

لم نعد نتسامح ولا نتصالح، ولم نعد نطيق بعضنا حتى مع المجاملة، لم نعد نرى الوفاق إلا في حدود المصالح البينية، وكأننا في سوق بورصة أسهمها المجاملة والنفاق والمصلحة والكيدية وغيرها مما يضادد الصدق والحق والحقيقة والثقة  والشفافية والصراحة.

الواقع مرٌّ، والمشاهد التي تحضر في البال عديدة، والأمثلة كثيرة، ففضلًا عما يجري بين مختلف شرائحنا، نراه وللأسف جليًا وواضحًا حتى بين من ننشد فيهم الخير ونشد بهم الأزر، يؤسفنا حقًا أن نرى ذلك بين من نحسبهم واسطة الحل والعقد والصلح، فإذا هم يتباغضون بإمعان، ويتعادون بإصرار وعناد، والكل يقول: "الزود عندي"، وهم الذين ينصحوننا ليل نهار بالحكمة، ويحاصروننا بالمحاضرات، ويتفننون بسرد الفضائل والنصائح  وضرب الأمثلة لها، ولكن بعضهم في الوقت نفسه لا يجتمعون على كلمة سواء، ولا حتى مجاملة فضلًا عما يحث عليه الشرع والذي نحسب أنهم تمرسوه علمًا وعملًا ومعاملة، وهو عكس ما نراه واقعًا.

لا أفهم صراحة ولا العوام من الناس أمثالي  لماذا نرى ذلك جليًا، وكيف يتعمد من نظنهم بعض أكابرنا أن يسقطوا بعضهم، وكيف لا يتوافقوا في سبيل المصالح العليا بل يتخذونها وسيلة للوجاهة والحضور المقيت، لماذا يقف البعض ضد من رهنوا أنفسهم لخدمة مجتمعهم هنا أو هناك دون سبب جوهري سوى الانتقاد للانتقاد والتسقيط فقط وفقط.

لماذا نرى طالب العلم مثلًا، بل والأرقى منه رتبة يتجاهل آخر وأمام الناس حتى بالسلام المتعارف عليه، فقط لأنهما يختلفان. وعلى ماذا؟ لا ندري، سوى ما نظنه أن يكون الاختلاف باحترام وتقدير، وأن يكون في سبيل منفعة الناس  وتعليمهم، والذين وضعوا ثقتهم فيهم، فإذا هم يختلفون جهارًا نهارًا وأمامنا نحن المساكين الذين نصلي خلف بعضهم، ونسألهم الدعاء في كل مناسبة وكلما التقيناهم، فهم وحسب ظننا أقرب لله منا، فإذا نحن نضرب أخماسًا في أسداس ونقول: "ويش صاير؟ شلون مشايخ ما يتحاچوا؟".

لا أقل احترموا أنفسكم ظاهرًا، أو "احترمونا على الأقل" ونحن نراكم، تختلفون بإمعان وإصرار، ويا بئس ذلك.

احترموا الناس الذين وضعوا ثقتهم العمياء فيكم، لأنهم يظنون أنكم أصحاب الفضل والفضيلة على اختلاف توجهاتكم. احترموا وجهة نظر بعضكم البعض ، تناقشوا فيما بينكم بهدوء وحكمة وبالحجة والبرهان والدليل بعيدًا عنا، واخرجوا لنا بعدها متوافقين بدلًا من أن تنشروا غسيلكم على حسابنا، لأن ما تفعلونه هو الخطأ بعينه، لماذا؟ لسبب بسيط جدًا جدًا، وخطير جدًا جدًا، وهو أنكم تشطرون مجتمعاتكم وتمزقونها، وتدخلون الشيطان ليلعب لعبته ويجعلنا فئات، كل فئة تلعن أختها، فلا يكون أحد على وفاق مع أحد ولا فئة مع أخرى وبالتالي نفقد الثقة في بعضنا، فضلًا عن فقدها فيكم، فلا نعود معارف ولا أقارب ولا جيران، وهو ما ينعكس عليكم سلبًا أولًا وأخيرًا، وحينها لا يحق  لكم أن تلوموا أحدًا لو كره ما تدعونه إليه مهما كان، ولن يقبل منكم توجيه النصائح والإرشادات، وأنتم أحوج ما تكونون لذلك وعندها ستجدون أنه لم ينفعكم ولا نفع غيركم ما نفرتم لأجله.

والسلام!



error: المحتوي محمي