19 , يونيو 2024

القطيف اليوم

في القطيف.. يد اعتادت معانقة الطين تصنّع حلوى المانجروف.. زكي الغراش يفاجئ زوار «الأسر المنتجة» برداء تراثي مختلف

رداء تراثي جديد، خرج به الحرفي زكي الغراش على غير ما اعتاد أن يراه به زوار الفعاليات والمهرجانات، فالحرفي الذي اشتهر بحرفة ملتصقة باسمه وهي حرفة "الغراش"، وقف مرتديًا إزاره ورأسه معصبُ بقطعة شماغ باللون الأبيض والأسود، كل ذلك يبدو طبيعيًا في وصفه، غير أن "الملاس" الطويل أو "البسطان" الذي في يده، وقدر النحاس الضخم الذي يتربع أمامه، يجعلك ترى "وجه الحلواني" الذي قد لا يعرفه كثيرون عنه.

وذلك في مهرجان الأسر المنتجة 2023، الذي دشنه فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بالمنطقة الشرقية، وبرعاية صاحب السمو الملكي أمير المنطقة الشرقية الأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز آل سعود، يوم الخميس 2 جمادى الأولى 1445هـ، وأقيم  على مدى 5 أيام في الواجهة البحرية بمنطقة المجيدية في القطيف.

ميراث وميراث
كما ورث "الغراش" صناعة الفخار عن أبيه، ورث عنه أيضًا حب تحضير الحلويات، فقد نشأ كابن محب لتقليد أبيه في كل شيء، يقول: "إلى جانب حرفة أبي كغراش يصنع الفخار، كان يحب أن يحضر الحلويات بيده، مثل عفوسة التمر، والخبيصة، وغيرها من حلوياتنا الشعبية القديمة، ولأني كنت دائم المتابعة له وهو يحضرها وجدت نفسي أقلده، ومع الوقت أصبحت مثله تمامًا؛ محبًا للحلويات الشعبية بالذات".

28 عامًا في صحبة الموقد
مضى على علاقة "زكي" بالمطبخ وحلاه، قرابة 28 عامًا، تلك العلاقة كانت عبارة عن تحضير الأطباق التقليدية الشعبية في المنطقة، حيث يقول: "تميزت في تحضير العفوسة والعصيدة والخبيص والهريس، ومع الوقت أصبحت أبتكر بعض الطبخات".

من "الساقو" إلى الحلوى
تلك كانت بدايته مع الطبخ والأكلات القديمة، أما علاقته مع "الحلوى"، فبدأت قبل ست سنوات، حين استهوته كأكلة، فقرر البحث عن طريقة تحضيرها، ولم يكن في بداية أمره مقررًا بيعها.

ولأنه كان متمكنًا من تحضير أكلة "الساقو" وهي أكلة تشبه الحلوى، قرر فعلًا أن يجرب تحضيرها، وبعد محاولات عديدة وصل إلى الطريقة التي تعجبه.

يحكي عن تطور تحضيره لها قائلًا: "بعد أن ضبطت الطريقة، أخذت في التعمق أكثر في أسرار صناعتها، ومع الوقت وصلت إلى مرحلة أن ما أحضرها ممتازة، لكن هناك الأفضل منها، حتى سنة جائحة كورونا، هذه السنة فعلًا كانت نقطة انطلاقتي، فقد كنت جالسًا في البيت وأشتغل في تحضير الحلويات وبيعها، لأنني لا أستطيع أن أذهب للمحل، عندها ولكثرة التجارب تمكنت من تحضير طريقة مرضية جدًا".

ويمضي في حديثه: "بعدها بدأت بتصنيع الحلوى في البيت في قدر صغير من القدور المعتادة، وبعد فترة تذوقتها عائلتي وأعجبتهم، ففكرت في أن أبيعها، وقد كانت عائلتي مساندة لي في هذا المشروع، فكلما كانت لديهم مناسبة يطلبون مني كميات للتوزيع".

كلها بيديه
تجاوز "زكي" علاقته بالحلوى من مجرد التحضير إلى صناعة أدواتها بنفسه، فعمل على تصنيع القدر النحاسي الكبير أو "المرجل" كما يعرف في بعض مناطق الخليج، وأداة التحريك المعروفة بـ"الملاس"، أو "البسطان" كما هي معروفة في الخليج أيضًا، كما جهز معمله الخاص بالحلوى في منزله، بعد أن خصص قسمًا خاصًا ليمارس تصنيعها فيه".

من الهواية للاحتراف
تطور إنتاجه للحلوى، وأصبح يحضر كميات كبيرة، أهلته لأن يزود بها عدة محلات ومخابز في عدد من المناطق كالجارودية وصفوى والقطيف.

انتقل "زكي" بعدها من مرحلة الهاوي إلى المحترف، فقرر أن يخوض غمار المهرجانات التي تقام في المنطقة، بعد أن عرض عليه أكثر من مرة أن يشارك، لكنه كان يرفض، نظرًا لكونه يشارك بمهنته الأولى كـ"غراش"، عندها فكر في أن يطبخ  في البيت ما سيشارك به في المهرجان، وعند التحضير تمسك زوجته بزمام أمر الركن، وفي أحيان أخرى يتفق مع بعض الفتيات للمشاركة في ركن الأكلات الشعبية بأجرة محددة.

ظهور أول
أول مهرجان شارك فيه زكي بنفسه كان مهرجان العيد على الواجهة البحرية في الخبر، وكانت مشاركته على مدى 15 يومًا، وكان من المقرر أن يشارك هناك بالتحضير المباشر للحلوى أمام الزوار، غير أن وجود مشارك آخر يقدم نفس المشاركة وبصورة مباشرة، جعل الغراش يحول مشاركته إلى عرض منتجات جاهزة يحضرها في المنزل بصورة يومية وطازجة.

حلواه تستوقف أبناء الخليج
حظيت حلوى "الغراش" في المهرجان بإعجاب زواره، حتى بعض الزوار من مملكة البحرين وهم من عرفوا بالتميز في صناعة الحلوى، يقول: "سعدت جدًا بأن حلوانا حظيت بإعجابهم، حتى إنهم اقترحوا عليّ أن أفتح محلًا في البحرين، عندها ضحكت وقلت لهم إن صناعتها منتشرة عندكم وأنتم كما نقول "أهل الحلوى"، فقالوا منتجاتك تشبه حلوى الأولين، خصوصًا أنها صارت تجارة وأصبحت العمالة الوافدة هي من تصنعها، وليس كما تقدمه أنت".

ويضيف: "أيضًا حظيت بإعجاب زوار من سلطنة عمان، كما أنني تجاوزت بما أصنعه من حلوى، المنطقة الشرقية إلى الشحن عن طريق شركات الشحن لعدد من مناطق المملكة كالرياض وغيرها، أما أشهر الأوقات التي يتزايد فيها الطلب على منتجاتي فغالبًا تطلب كتوزيعات للمناسبات السعيدة، وكذلك المناسبات الدينية طوال العام".

أنواع.. والمحبة نكهتها "محلية"
تعددت أنواع الحلوى التي يصنعها "الغراش"، وكذلك نكهاتها، يقول: "أحضر كل الأنواع المعروفة منها، كما أننا اشتهرنا بالحلوى الملكية حتى إن اسمنا على علب الحلوى كان بهذا الاسم، بعدها حولنا الاسم إلى ملك الحلويات، وأيضًا الحلوى الحمراء والصفراء والخضراء هذه الثلاثة ننتجها باستمرار، وكذلك الحلوى الزعفرانية، وعندنا حلوى بالتين وحلوى بالعسل، وأخرى بنكهة الرمان، وهناك حلوى نضع لها أنواعًا خاصة من المكسرات مثل الحلوى بالسمسم".

ويضيف: "أما الحلوى الجديدة التي قدمتها أمام زوار مهرجان "الأسر المنتجة بالقطيف"، فكانت حلوى المحبة وهي محضرة بعسل المانجروف، وهي الأولى من نوعها في المملكة، حيث كانت بمكونات كاملة كالزعفران والهيل بكميات سخية، واستغرق تحضيرها أكثر من ثلاث ساعات ونفدت الكمية، كما أن البعض أوصى بتحضيرها كطلب خاص له".

مشارك بالصدفة
ختم "الغراش" حديثه، بكيفية مشاركته في المهرجان، موضحًا أن الظروف والصدفة هي من قادته للظهور أمام الجمهور كصانع حلوى، مضيفًا: كلمتنا إدارة المهرجان لتشارك نسوة عائلتي فيه كإحدى الأسر المنتجة، ووافقنا على المشاركة، على أن أحضر الحلوى في البيت كالعادة، وهن يذهبن بها لمقر الفعالية، إلا أنه واجههن ظرف خاص، وهنا وضعت أمام خيارين: إما أن أعتذر لإدارة المهرجان، وإما أن أشارك بنفسي، فقلت طالما أعطينا المسؤولين كلمة فلا بد من الوفاء بها، عندها اقترحت علي زوجتي لماذا لا تحضر الحلوى في نفس المهرجان كشيء جديد وتم التنسيق مع المسؤولين وتوجهت إلى المهرجان مع الأولاد ورتبت الوضع، وحين حضرناها أمام الزوار لاقت إقبالًا كبيرًا منهم ولله الحمد.

فيديو تحضير الحلوى في المهرجان
https://x.com/alqhat/status/1725801576239927575?s=46



error: المحتوي محمي