27 , مايو 2026

القطيف اليوم

النسر و الصياد وحكايات القدر المجهول!

يأخذنا العجب أحيانًا: هذا الطائر - النسر - المعجزة في حجمه وعلو طيرانه وسهولة صيدهِ للفرائس الضخمة، كيف يصطاده الصيّاد في قطعة لحمٍ خبأها في شباك؟

يتكلم الناس عن البطل الضرغام، الشديد البأس في الحرب، كيف يصطاده القدر بضربة خفيفة؟ عن البحّار الماهر الذي عرف البحرَ كما عرف راحةَ كفه كيف غرقَ وماتَ في البحر؟ عن سائق السيارة الذي يفوز في كل سباق يموت في حادث بسيط، عن البدوي الذي تاه في الصحراء التي قطعها رملةً رملة، عن الطبيب الذي يموت بداءٍ هو اخترع له الدواء!

إِنَّ الطَبيبَ بِطِبِّهِ وَدَوائِهِ .. لا يَستَطيعُ دِفاعَ مَكروهٍ أَتى
ما لِلطَبيبِ يَموتُ بِالداءِ الَّذي .. قَد كانَ يُبرِئُ جُرحَهُ فيما مَضى
ذَهَبَ المُداوي وَالمُداوى وَالَّذي .. جَلَبَ الدَواءَ وَباعَهُ وَمَنِ اِشتَرى

الجواب في جملة قصيرة: 
"أما علمتَ أنه إذا نزلَ القدرُ أعشى البصر"؟

إنّ الموت في طرائقه المتعددة يأخذنا جميعًا فلا الربان الماهر يستطيع الفرار ولا المقاتل الشديد يستطيع التشويش على قدر الله سبحانه وتعالى. أقصى ما نستطيع فعله أن نأخذ بأسباب الحماية والوقاية، لا نَستهتر ولا نتساهل في أخذ أسباب السلامة. دون الخوض في بحر القضاء والقدر الذي نغرق فيه النهاية هي: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ".

ويصطدِمُ الجمعانِ والنقع ثائرٌ .. فيسلم مقدامٌ ويهلكُ حائدُ
ومن لم يمت بالسيفِ ماتَ بغيرهِ .. تنوعتِ الأسبابُ والداءُ واحِدُ

"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ": الموت ببساطة قدح يشرب منه كلّ الناس. هو آتٍ يختار من قرر الله سبحانه وتعالى أن يموت في البر أو في البحر، كيف ومتى. يأتي على صاحب الكوخ كما يأتي على صاحب القصر المشيد: "أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ ۗ".

يا بخت من يموت عند أهله وأحبائه!
لا تنح باللائمة على البحر ولا على القدر المحتوم فهذا الكأس نشرب منه كلنا قطرة فقطرة، "كُلُّ نَفْسٍ" تعني كل نفس لا استثناء، لا نعلم المكان ولا الزمان.

الخوف ليس في الموت - إنما فيما بعد ذلك: "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ". لو كان الموت نهاية الحياة لكان مبتغى كلّ حيّ لكنه البداية:

وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا .. لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا .. وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ

الموت ملح الحياة:
تخيل كيف تكون الحياة دون الموت؟ ربما يصبح طعمها أسوأ من الموت وهنا تظهر قيمة الموت! فذلك الذي عاش ثمانين سنة يقول:
سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش .. ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

الحذر واجب لكن حتى وإن كانت السفينة قوية والربان ماهر، مع ذلك يغرقها القدر! اللهم أعنا على نهايات الحياة الغير متوقعة وبكل تأكيد اللهم أعنا على ما بعد النهايات.


error: المحتوي محمي