30 , مايو 2026

القطيف اليوم

منازل بلا مطابخ

بدأ كل شيء بجملة قصيرة رواها الدكتور خالد النمر عن أحد مراجعيه. قال الرجل عبارته بثقة هادئة: “اتفقتُ أنا وزوجتي على منزل بلا مساحة للطهو.”

لم تكن الجملة طويلة لكنها أخذت طريقها إلى الناس بسرعة مثيرة مثل شرارة بدأت ثم وجدت من يكمل إشعالها. وفي فترة وجزية صار كل من سمع بها يحمل معها حكاية أو تعليقًا أو ضحكة.

هناك من قال:
“فلان وحرمته لهم سنة كاملة من المطاعم… آخرها اضطرابات خابصة بطونهم ما يعرفون من وين جتهم!”

وآخر ذكر قصة بيت فيه مطبخ صغير لا ترى فيه قدرًا يغلي ولو مرة واحدة في الشهر.

وثالث تحدث عن أُسر جهزت مطبخًا داخليًا وآخر خارجيًا للشواء والقلي والولائم الكبيرة.

ثم برز اتجاه جديد أغرب من غيره بأربعة مطابخ في منزل واحد تتوزع بين الاستعراض والاستخدام الفعلي ومطابخ المناسبات… حتى بدا الأمر كما لو أن البيت يدار وفق جدول تشغيل معقد.

ومع تزايد القصص ظهر أن الموضوع ليس مجرد مساحة تلغى أو تضاف كونها إشارة دقيقة إلى تغير في حياة الناس اليومية.

فهناك أب يعود آخر النهار أو قبل الوصول لمنزله يفتح هاتفه مباشرة ويمر عبر التطبيقات وكأنه يسحب يومه المنهك نحو وجبة جاهزة تريح رأسه من فكرة الوقوف أمام موقد.

وهناك امرأة تخطط بيت العمر دون أن ترى نفسها تقف يومًا أمام قدر كبير.

وشاب يقول إن الوقت لا يكفي لشيء سوى العمل والراحة وما يأتي من الخارج يفي بالغرض.

وفي المقابل بيوت واسعة تشيد مطابخ كاملة الأدوات ومع ذلك يعمل قدر صغير خارجي أكثر من الجميع لأن المناسبات تحتاج حركة مختلفة وصوتًا مختلفًا وروائح يعرفها الناس منذ صغرهم.

هذه الصور المتتابعة جعلت كثيرين يتساءلون:
هل تغير معنى البيت؟
وهل يخصنا هذا الركن كما كان أم أنه يتراجع مع تراجع جلسات الطعام المشتركة؟

بعض التجارب جاءت محملة بتعليمات الحياة ذاتها:
رجل اعتمد على الوجبات السريعة أسابيع معدودة فاضطر لمراجعة الطبيب مرات عديدة.

أمّ اكتشفت أنّ أطفالها يفرحون بإعداد طبق بسيط أكثر من فرحتهم بما يصل في طلبات وعلب المطاعم.

أبناء يجتمعون حول عجينة لكيكة خفيفة في صباح عطلة فيتحول اليوم كله إلى ذكرى صغيرة لا تتكرر كثيرًا.

ورغم أنّ البيوت الحديثة تستطيع أن تمضي في حياتها دون مطبخ فعال إلا أن كثيرًا من الروابط العائلية تتكون من تفاصيل تشبه تلك اللحظات الجميلة السريعة حول شيء يُحضّر أمام العين.

فالبناء يمكن أن يكون واحدًا غير أن الروح التي تنشأ في داخله تختلف باختلاف ما يصنعه الناس فيه.

ويتردد بين الناس قول خفيف لكنه عميق:
“البيت الذي يجد فيه أهله ركنًا يجمعهم… يبقى أقرب لقلوبهم.”

ليس الأمر صراعًا بين زمن وزمن فهو محاولة للعثور على إيقاع يناسب عصرًا سريعًا دون فقدان دفء يحتاج إليه.
فالحياة تسير بسرعة والاهتمامات تتشعب والوقت ينكمش حتى يخشى البعض أن يتحول المنزل إلى محطة للنوم فقط بينما تختفي تلك اللحظات الصغيرة التي كانت تمنح البيوت وضعها الحقيقي.

وجود مساحة للطهو — أيا كان حجمها أو موقعها — يعطي البيت فرصة لالتقاط أنفاسه. يكفي أن يجتمع اثنان على إعداد شيء خفيف ليعود المكان إلى الحياة.

فلا يحتاج الأمر أطباقًا فاخرة ولا تجهيزات كثيرة إذ يكفي صوت بسيط يعود بالناس إلى أنهم ما زالوا معًا.

وفي نهاية هذا الطريق المتنوع يبقى السؤال حاضرًا:
هل يحتاج البيت إلى مطبخ كي يحتفظ بروحه؟
أم أن هذا الركن يسلك طريقًا جديدًا في زمن تغيرت فيه الأولويات؟

السؤال لك… وما بين سطورك ستولد الإجابة.


error: المحتوي محمي