كنتُ أتحدث عبر الهاتف مع العم الحاج سعيد المسلم أبو عادل، وخلال الكلام طلب مني أن أكتب عن شخصية ملا علي الرمضان “عليه الرحمة”، فقلت له: هذه شخصية غنيةٌ عن التعريف، وقد فرضت نفسها من خلال ما قدمته من جهود مباركة في تعليم الأجيال، والحضور القوي بمشاركته الشعرية وعلاقته الوطيدة بالعلماء والخطباء والأدباء وفي كل مناسبات أهل البيت عليهم السلام. فقال أبو عادل: جميل أن تكتب عنه ليعرف هذا الجيل عن هذه الشخصية العملاقة.
عندما يرغب المرء الكتابة عن شخصية عُلمائية، فإنه يغوص في بحر كتب التراجم والسير ليصطاد معلومة هنا وخبرًا هناك، وأحيانًا يبحث في كتب أخرى لتساند وتؤيّد ما توصّل إليه من معلومات. يشعر الباحث أثناء البحث أنه يعيش مع تلك الشخصية في تلك الحقبة من الزمن، وكأنه يرافق المترجَم له في كل خطواته وسفراته حتى ينقل للقارئ تفاصيل حياته، وهذا ما مررتُ به حين الكتابة عن ملا إبراهيم الموسى وسماحة الشيخ أحمد عطية “رحمهم الله تعالى”.
سوف نعيش لحظات مع هذا المعلم الفذ المؤمن من خلال التطرّق لحياته الأسرية والاجتماعية وشيءٍ من الأدبية التي سلّط عليها الكثير من الكتّاب والأدباء.
اسمه ونسبه ونشأته:
الحاج ملا علي بن محمد بن الحاج علي بن الحاج محمد بن أحمد بن رمضان الكويكبي القطيفي. ولد يوم الجمعة الخامس من شهر شعبان المعظم عام 1314 هجرية الموافق 08/01/1897 ميلادية. وفي حي الكويكب (سابقًا يُطلق عليها قرية) في منزل آبائه وأجداده نشأ وترعرع، ويقع المنزل في الجهة الشرقية الشمالية من الكويكب، يحده من الجنوب بيت آل الشيخ، ومن الشرق بيت الخانكي ومنزل آخر، ومن الشمال ممر صغير، ومن الغرب ساحة الجامع التي كان يُباع فيها المأكولات وخاصة في عصر أيام شهر رمضان المبارك.
دعنا نبحر الآن في تفاصيل هذه الأسرة ذات السمعة الطيبة بشكل عمودي وأفقي. جد الملا، وهو الحاج علي، كانت وظيفته معالجًا طبيعيًا (مُراخٍ)، أما والده الحاج محمد فهو أستاذ الخط، وقد علّم ابنه الأكبر الملا علي هذه المهنة الشريفة وهو ابن سبع سنين. والابن الآخر هو الحاج حسن وكان نوخذة في البحر، ظل فترة من الزمن ثم استقر في القطيف وتعلم على يد أخيه الملا علي المهنة، فصار يكتب المجاميع والمواليد والوفيات لأهل البيت عليهم السلام ويُجلّد الكتب (لم تكن متوفرة المطابع في تلك الفترة).
تزوج الملا علي من المرأة الصالحة مريم بنت حسن علي العيد (الكويكب) فأنجبت له: عبد الجليل، وهذا الرجل الصالح تزوج من السيدة بتول بنت السيد علي هاشم الشاخوري، فأنجبت له: علي (أبو الشيخ حسن)، ومحمد (أبو عدنان)، وعمر (أبو حسين)، ونزار (أبو عبد العزيز)، وعدد ثلاث بنات.
أما الابن الأصغر للملا وهو الحاج محمد سعيد فقد تزوج من ابنة عمه المصونة كربلاء بنت حسن محمد الرمضان، وأنجبت له: الأستاذ وجيه (أبو محمد) رئيس جمعية القطيف الخيرية سابقًا، وفؤاد وحسين وأيمن وعدد أربع بنات.
الحاج حسن، الأخ الأصغر للملا، فقد تزوج من المؤمنة فهيمة بنت عبد الله بن محمد آل مطراش (الكويكب)، وأنجبت: محمد، وعلي، وكربلاء (زوجة محمد سعيد)، وصفية (زوجة أحمد الحوار “الشمر”).
ظلت هذه العائلة المباركة في حي الكويكب، وفي عام 1379هـ انتقل الحاج محمد سعيد أبو وجيه إلى حي البستان شمال مبنى البريد سابقًا في بيته الجديد، وقد خصّص غرفة له وغرفة لوالده الملا وغرفة لأخيه عبد الجليل وعائلته. وبعد فترة انتقل عبد الجليل إلى بيت مستأجر في البستان أو حوله، وظل فيه إلى أن انتقل إلى بيت ملك في حي الخامسة. أما محمد سعيد فقد انتقل بعد فترة إلى حي الخزامى قرب شارع القدس.
توفي عبد الجليل يوم الثلاثاء 20/12/1443هـ، وتوفي أخوه محمد سعيد يوم الأربعاء 14/11/1445هـ، ودُفنا في مقبرة الحباكة بالقطيف رحمهم الله تعالى، فقد كانا عونًا للملا علي في أداء مهمته الرسالية.
دور الملا التعليمي والأدبي:
يذكر الملا بخط يده المباركة في ديوان “وحي الشعور”:
(حفظت كتاب الله على يد والدي الحاج محمد وأنا ابن تسع سنين عام 1323هـ، وتعلمت عنده الكتابة فالزمني بنسخ بعض الكتب، فلما صرت ابن أربع عشرة سنة كنتُ أتشبث ببعض النظم، وكنت ذات يوم أكتب القصيدة الشكرية (غاب عني الكرى وطيب الرقاد)، فلما بلغت في قراءتي “فرجائي أن لا يخيب رجائي” جعلتُ على الياء من “يخيب” فتحة، وجعلت أتَعجّب من حسن الفتحة على الياء. فقال لي أبي: لو تقرأ النحو لعرفت الإعراب! فقلت: وهل بالنحو يسلك الإنسان الإعراب الصحيح؟ فقال: نعم. فحينئذٍ قرأت الأجرومية على المرحوم السيد حسين بن السيد هاشم العوامي، وأتممت أكثر النحو على فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ أحمد بن مدن بن عطية، وأخذتُ أنظم الأشعار في أهل البيت عليهم السلام وغيرهم).
ومن أحسن ما نظمتُ في غيرهم “ماضي القطيف وحاضرها” التي مبدأها:
يا خطُ يا وطن الكرام ألا أسمعي ………
وقد طبعها الحجة الشيخ فرج العمران “قدس سره” مع ديوانه “الروض الأنيق”، كما طبع الجزء الأول من ديوان “وحي الشعور” العلامة الشيخ علي المرهون “قدس سره”. وقال الحجة العمران بيتين عن لسان الملا علي يشتملان على تاريخ الديوان آنف الذكر:
إليكم معشر القراء شعوري
أقدمه وشعري في سطور
شعوري جاء في شعري فأرخ
وإن الشعر من “وحي الشعور”
ماذا قالوا عنه:
“عُرف الملا علي الرمضان في المجتمع القطيفي كشخصية اجتماعية وتربوية وأدبية، أتيح لها أن تحتل موقعًا طيبًا في النفوس. وعلى مدى عقود طويلة من حياته كان هذا الرجل يؤدي رسالته الإنسانية ببساطة متناهية، فقد وُجد في فترة ما قبل التعليم النظامي، وهي فترة أفرزت مجتمعًا لا يحمل أي تميز ثقافي أو علمي بالشكل الحالي.”
ثم يقسم المجتمع إلى ثلاثة مستويات ثقافية:
الأول: علماء رجال الدين وهم الطبقة العليا.
الثاني: الأدباء والشعراء والخطباء، والملا علي من هذه الفئة.
الثالث: عامة الناس وهم قاعدة الهرم.
(الأستاذ عبد الله أحمد السلمان – سيهات، مقدمة الطبعة الثانية من وحي الشعور).
أما سماحة الشيخ علي المرهون “قدس روحه” فقد قال عنه في كتابه شعراء القطيف:
“الخطاط الماهر الملا علي بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد الرمضان الكويكبي القطيفي. كان على جانبٍ عظيمٍ من التقى والورع والصلاح، ذا نباهة وذكاء وفطنة، نشأ محبًا للعلم وذويه، فتلقى مبادئ علومه على أيدي رجال من أهل العلم والمعرفة، فتغذى من تلك الينابيع الصافية ما أهله لأن يكون مرموقًا ولا سيما في الخط، فقد امتاز بجودته على جميع كتاب الخط. ولقد كان نافعًا في أعماله، موفقًا بمساعيه؛ فمن ذلك أنه افتتح محلًا أشبه بمدرسة ابتدائية كانت لها أهميتها في البلاد القطيفية، لذا عُرف بالمعلم”.
ويقول عنه الفاضل عبد العلي آل سيف في كتابه (القطيف وأضواء على شعرها المعاصر):
“كان يبدو عليه النباهة والذكاء، مما هيأه في المستقبل لأن يمتهن التعليم. فتربع على عرش التعليم ما يزيد على خمسين عامًا، فتخرج على يديه كثير من رجال القطيف ووجهائها.”
فكانت أول مدرسة افتتحها تقع في سوق الدهن بحي الشريعة في القطيف، ثم انتقل بها إلى عدة أماكن: حسينية الزاير بالقلعة، ثم سكة الحرية، وأخيرًا استقر بهذه المدرسة في منزله بالكويكب (حسب ما أفادني حفيده الأستاذ وجيه). وقد استفاد من هذه المدرسة أجيال متعاقبة من أبناء القطيف.
وأتذكر كيف كان جمال وحُسن خط أخي الأكبر علي عندما يكتب، وعلمت من أخي محمد أنه حينما كان صغيرًا يرافق أخاه علي حين ذهابه للدرس في منزل الملا علي، وهو ليس ببعيد عن منزلنا في الكويكب. وطالما مررنا على جمال الخط وحسنه. أتذكر، ربما عام 1380هـ، قبل قص (إزالة) بعض بيوت الكويكب، قامت بلدية القطيف بحملة رش البيوت بالمبيدات الحشرية، واستعانت ببعض الطلبة في هذه الحملة، وخاصة من يُحسنون الخط، ليقوموا بمرافقة مجموعة من العمال وتسجيل اسم المرافق على باب كل منزل يتم رشه بالمبيد. وقد حظي طلاب الملا علي بحصة الأسد في هذه الوظيفة المؤقتة، وحتى الآن أذكر اسم أخي علي (رحمه الله) على بعض البيوت في حي الكويكب، وهذا ببركة المعلم ملا علي الرمضان (عليه الرحمة).
ولكون الملا عَلَمٌ في هذا العلم، فإن الناس كانوا يقصدونه لكتابة المواثيق والعقود ونسخ الكتب وتسجيل الحقوق والالتزامات فيما بينهم، لما يمتاز به من جودة في الخط ومعرفة شاملة باللغة وأصولها في زمنٍ قل نظيره.
واقعيًا، للملا علي حضورٌ قوي في الساحة الأدبية، ولكن المقام لا يسع الإسهاب فيه، ونقتطف بعضًا منها على سبيل المثال: كشكوله الذي يحوي عناوين متفرقة في العقيدة والفقه والشعر والأدب والبلاغة والفلسفة والطب والعلوم الصيدلانية (حسب ما ذكره الأديب عبد الله السلمان).
أما في الشعر فنذكر أبياته في تأبين آية الله السيد ماجد العوامي (1279 – 1367هـ)، فقد جاء في أنوار البدرين (ج2، ص337):
قضى علمُ الأعلامِ والجوهرُ الفردُ
وهادي الورى للحق والكوكب السعدُ
وأردى بأرض الكاظمية لحدٌ
وشُقَّ إليه في حمى جده لحدُ
وفي كتاب شعراء القطيف (ج2، ص386) ذكر العلامة المرهون هذه الأبيات:
شع نور البتولِ ستَّ النساءِ
فاغتدى الكونُ مشرقًا بالسناءِ
سُميتْ فاطمًا لتفطمَ في الحشر
من النار كلَّ أهل الولاءِ
وفاته:
على أثر مرضٍ ألمّ به، انتقل الملا علي إلى رحمة الله ورضوانه يوم الأربعاء السابع من شهر صفر عام 1397هـ الموافق 26/01/1977م، عن عمرٍ يناهز ثلاثًا وثمانين سنة قضاها في العلم والتعليم وخدمة المجتمع. وقد رثاه صديقه الحجة الشيخ فرج العمران (أعلى الله مقامه) في أبيات نذكر منها:
سكبتُ فؤادي في دموعي قوافيا
وألبستها ثوبًا من الشعر ضافيًا
لفقدِ حبيبٍ لم أجدْ مذ عرفتهُ
بدا منه لي إلا الولاء والتصافيا
ـــــــــــــــــــ
المصادر:
نسخة إلكترونية من ديوان وحي الشعور، أنوار البدرين، شعراء القطيف.

عندما يرغب المرء الكتابة عن شخصية عُلمائية، فإنه يغوص في بحر كتب التراجم والسير ليصطاد معلومة هنا وخبرًا هناك، وأحيانًا يبحث في كتب أخرى لتساند وتؤيّد ما توصّل إليه من معلومات. يشعر الباحث أثناء البحث أنه يعيش مع تلك الشخصية في تلك الحقبة من الزمن، وكأنه يرافق المترجَم له في كل خطواته وسفراته حتى ينقل للقارئ تفاصيل حياته، وهذا ما مررتُ به حين الكتابة عن ملا إبراهيم الموسى وسماحة الشيخ أحمد عطية “رحمهم الله تعالى”.
سوف نعيش لحظات مع هذا المعلم الفذ المؤمن من خلال التطرّق لحياته الأسرية والاجتماعية وشيءٍ من الأدبية التي سلّط عليها الكثير من الكتّاب والأدباء.
اسمه ونسبه ونشأته:
الحاج ملا علي بن محمد بن الحاج علي بن الحاج محمد بن أحمد بن رمضان الكويكبي القطيفي. ولد يوم الجمعة الخامس من شهر شعبان المعظم عام 1314 هجرية الموافق 08/01/1897 ميلادية. وفي حي الكويكب (سابقًا يُطلق عليها قرية) في منزل آبائه وأجداده نشأ وترعرع، ويقع المنزل في الجهة الشرقية الشمالية من الكويكب، يحده من الجنوب بيت آل الشيخ، ومن الشرق بيت الخانكي ومنزل آخر، ومن الشمال ممر صغير، ومن الغرب ساحة الجامع التي كان يُباع فيها المأكولات وخاصة في عصر أيام شهر رمضان المبارك.
دعنا نبحر الآن في تفاصيل هذه الأسرة ذات السمعة الطيبة بشكل عمودي وأفقي. جد الملا، وهو الحاج علي، كانت وظيفته معالجًا طبيعيًا (مُراخٍ)، أما والده الحاج محمد فهو أستاذ الخط، وقد علّم ابنه الأكبر الملا علي هذه المهنة الشريفة وهو ابن سبع سنين. والابن الآخر هو الحاج حسن وكان نوخذة في البحر، ظل فترة من الزمن ثم استقر في القطيف وتعلم على يد أخيه الملا علي المهنة، فصار يكتب المجاميع والمواليد والوفيات لأهل البيت عليهم السلام ويُجلّد الكتب (لم تكن متوفرة المطابع في تلك الفترة).
تزوج الملا علي من المرأة الصالحة مريم بنت حسن علي العيد (الكويكب) فأنجبت له: عبد الجليل، وهذا الرجل الصالح تزوج من السيدة بتول بنت السيد علي هاشم الشاخوري، فأنجبت له: علي (أبو الشيخ حسن)، ومحمد (أبو عدنان)، وعمر (أبو حسين)، ونزار (أبو عبد العزيز)، وعدد ثلاث بنات.
أما الابن الأصغر للملا وهو الحاج محمد سعيد فقد تزوج من ابنة عمه المصونة كربلاء بنت حسن محمد الرمضان، وأنجبت له: الأستاذ وجيه (أبو محمد) رئيس جمعية القطيف الخيرية سابقًا، وفؤاد وحسين وأيمن وعدد أربع بنات.
الحاج حسن، الأخ الأصغر للملا، فقد تزوج من المؤمنة فهيمة بنت عبد الله بن محمد آل مطراش (الكويكب)، وأنجبت: محمد، وعلي، وكربلاء (زوجة محمد سعيد)، وصفية (زوجة أحمد الحوار “الشمر”).
ظلت هذه العائلة المباركة في حي الكويكب، وفي عام 1379هـ انتقل الحاج محمد سعيد أبو وجيه إلى حي البستان شمال مبنى البريد سابقًا في بيته الجديد، وقد خصّص غرفة له وغرفة لوالده الملا وغرفة لأخيه عبد الجليل وعائلته. وبعد فترة انتقل عبد الجليل إلى بيت مستأجر في البستان أو حوله، وظل فيه إلى أن انتقل إلى بيت ملك في حي الخامسة. أما محمد سعيد فقد انتقل بعد فترة إلى حي الخزامى قرب شارع القدس.
توفي عبد الجليل يوم الثلاثاء 20/12/1443هـ، وتوفي أخوه محمد سعيد يوم الأربعاء 14/11/1445هـ، ودُفنا في مقبرة الحباكة بالقطيف رحمهم الله تعالى، فقد كانا عونًا للملا علي في أداء مهمته الرسالية.
دور الملا التعليمي والأدبي:
يذكر الملا بخط يده المباركة في ديوان “وحي الشعور”:
(حفظت كتاب الله على يد والدي الحاج محمد وأنا ابن تسع سنين عام 1323هـ، وتعلمت عنده الكتابة فالزمني بنسخ بعض الكتب، فلما صرت ابن أربع عشرة سنة كنتُ أتشبث ببعض النظم، وكنت ذات يوم أكتب القصيدة الشكرية (غاب عني الكرى وطيب الرقاد)، فلما بلغت في قراءتي “فرجائي أن لا يخيب رجائي” جعلتُ على الياء من “يخيب” فتحة، وجعلت أتَعجّب من حسن الفتحة على الياء. فقال لي أبي: لو تقرأ النحو لعرفت الإعراب! فقلت: وهل بالنحو يسلك الإنسان الإعراب الصحيح؟ فقال: نعم. فحينئذٍ قرأت الأجرومية على المرحوم السيد حسين بن السيد هاشم العوامي، وأتممت أكثر النحو على فضيلة أستاذنا المرحوم الشيخ أحمد بن مدن بن عطية، وأخذتُ أنظم الأشعار في أهل البيت عليهم السلام وغيرهم).
ومن أحسن ما نظمتُ في غيرهم “ماضي القطيف وحاضرها” التي مبدأها:
يا خطُ يا وطن الكرام ألا أسمعي ………
وقد طبعها الحجة الشيخ فرج العمران “قدس سره” مع ديوانه “الروض الأنيق”، كما طبع الجزء الأول من ديوان “وحي الشعور” العلامة الشيخ علي المرهون “قدس سره”. وقال الحجة العمران بيتين عن لسان الملا علي يشتملان على تاريخ الديوان آنف الذكر:
إليكم معشر القراء شعوري
أقدمه وشعري في سطور
شعوري جاء في شعري فأرخ
وإن الشعر من “وحي الشعور”
ماذا قالوا عنه:
“عُرف الملا علي الرمضان في المجتمع القطيفي كشخصية اجتماعية وتربوية وأدبية، أتيح لها أن تحتل موقعًا طيبًا في النفوس. وعلى مدى عقود طويلة من حياته كان هذا الرجل يؤدي رسالته الإنسانية ببساطة متناهية، فقد وُجد في فترة ما قبل التعليم النظامي، وهي فترة أفرزت مجتمعًا لا يحمل أي تميز ثقافي أو علمي بالشكل الحالي.”
ثم يقسم المجتمع إلى ثلاثة مستويات ثقافية:
الأول: علماء رجال الدين وهم الطبقة العليا.
الثاني: الأدباء والشعراء والخطباء، والملا علي من هذه الفئة.
الثالث: عامة الناس وهم قاعدة الهرم.
(الأستاذ عبد الله أحمد السلمان – سيهات، مقدمة الطبعة الثانية من وحي الشعور).
أما سماحة الشيخ علي المرهون “قدس روحه” فقد قال عنه في كتابه شعراء القطيف:
“الخطاط الماهر الملا علي بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد الرمضان الكويكبي القطيفي. كان على جانبٍ عظيمٍ من التقى والورع والصلاح، ذا نباهة وذكاء وفطنة، نشأ محبًا للعلم وذويه، فتلقى مبادئ علومه على أيدي رجال من أهل العلم والمعرفة، فتغذى من تلك الينابيع الصافية ما أهله لأن يكون مرموقًا ولا سيما في الخط، فقد امتاز بجودته على جميع كتاب الخط. ولقد كان نافعًا في أعماله، موفقًا بمساعيه؛ فمن ذلك أنه افتتح محلًا أشبه بمدرسة ابتدائية كانت لها أهميتها في البلاد القطيفية، لذا عُرف بالمعلم”.
ويقول عنه الفاضل عبد العلي آل سيف في كتابه (القطيف وأضواء على شعرها المعاصر):
“كان يبدو عليه النباهة والذكاء، مما هيأه في المستقبل لأن يمتهن التعليم. فتربع على عرش التعليم ما يزيد على خمسين عامًا، فتخرج على يديه كثير من رجال القطيف ووجهائها.”
فكانت أول مدرسة افتتحها تقع في سوق الدهن بحي الشريعة في القطيف، ثم انتقل بها إلى عدة أماكن: حسينية الزاير بالقلعة، ثم سكة الحرية، وأخيرًا استقر بهذه المدرسة في منزله بالكويكب (حسب ما أفادني حفيده الأستاذ وجيه). وقد استفاد من هذه المدرسة أجيال متعاقبة من أبناء القطيف.
وأتذكر كيف كان جمال وحُسن خط أخي الأكبر علي عندما يكتب، وعلمت من أخي محمد أنه حينما كان صغيرًا يرافق أخاه علي حين ذهابه للدرس في منزل الملا علي، وهو ليس ببعيد عن منزلنا في الكويكب. وطالما مررنا على جمال الخط وحسنه. أتذكر، ربما عام 1380هـ، قبل قص (إزالة) بعض بيوت الكويكب، قامت بلدية القطيف بحملة رش البيوت بالمبيدات الحشرية، واستعانت ببعض الطلبة في هذه الحملة، وخاصة من يُحسنون الخط، ليقوموا بمرافقة مجموعة من العمال وتسجيل اسم المرافق على باب كل منزل يتم رشه بالمبيد. وقد حظي طلاب الملا علي بحصة الأسد في هذه الوظيفة المؤقتة، وحتى الآن أذكر اسم أخي علي (رحمه الله) على بعض البيوت في حي الكويكب، وهذا ببركة المعلم ملا علي الرمضان (عليه الرحمة).
ولكون الملا عَلَمٌ في هذا العلم، فإن الناس كانوا يقصدونه لكتابة المواثيق والعقود ونسخ الكتب وتسجيل الحقوق والالتزامات فيما بينهم، لما يمتاز به من جودة في الخط ومعرفة شاملة باللغة وأصولها في زمنٍ قل نظيره.
واقعيًا، للملا علي حضورٌ قوي في الساحة الأدبية، ولكن المقام لا يسع الإسهاب فيه، ونقتطف بعضًا منها على سبيل المثال: كشكوله الذي يحوي عناوين متفرقة في العقيدة والفقه والشعر والأدب والبلاغة والفلسفة والطب والعلوم الصيدلانية (حسب ما ذكره الأديب عبد الله السلمان).
أما في الشعر فنذكر أبياته في تأبين آية الله السيد ماجد العوامي (1279 – 1367هـ)، فقد جاء في أنوار البدرين (ج2، ص337):
قضى علمُ الأعلامِ والجوهرُ الفردُ
وهادي الورى للحق والكوكب السعدُ
وأردى بأرض الكاظمية لحدٌ
وشُقَّ إليه في حمى جده لحدُ
وفي كتاب شعراء القطيف (ج2، ص386) ذكر العلامة المرهون هذه الأبيات:
شع نور البتولِ ستَّ النساءِ
فاغتدى الكونُ مشرقًا بالسناءِ
سُميتْ فاطمًا لتفطمَ في الحشر
من النار كلَّ أهل الولاءِ
وفاته:
على أثر مرضٍ ألمّ به، انتقل الملا علي إلى رحمة الله ورضوانه يوم الأربعاء السابع من شهر صفر عام 1397هـ الموافق 26/01/1977م، عن عمرٍ يناهز ثلاثًا وثمانين سنة قضاها في العلم والتعليم وخدمة المجتمع. وقد رثاه صديقه الحجة الشيخ فرج العمران (أعلى الله مقامه) في أبيات نذكر منها:
سكبتُ فؤادي في دموعي قوافيا
وألبستها ثوبًا من الشعر ضافيًا
لفقدِ حبيبٍ لم أجدْ مذ عرفتهُ
بدا منه لي إلا الولاء والتصافيا
ـــــــــــــــــــ
المصادر:
نسخة إلكترونية من ديوان وحي الشعور، أنوار البدرين، شعراء القطيف.




