18 , مايو 2026

القطيف اليوم

الخال نبض الرَّحم 7

الخال هو قطعة من الأم في هيئة رجل وما عُدّ كقريب وإنما كأب. دمها يسري في عروقه، وعاطفتها تتجلى في قلبه، حتى قالوا قديمًا: الخال والد. هذه الكلمة ليست مجازًا؛ هي حقيقة تتبدّى في المواقف التي لا يقدر عليها إلا خال صادق الوصل.

كان الأطفال في بيوت كثيرة ينتظرون زيارة الخال بلهفة. يدخل محمّلًا بابتسامة ومرح، وحنان أب وأحيانًا تجده محمّلًا بهدية صغيرة أو بعض حلويات أو بعض ألعاب، لكنه قبل ذلك يدخل بطمأنينة تجعل أبناء أخته يشعرون أنهم مع أبٍ ثانٍ، يُمسك بزمام الحنان والسند معًا.

أتذكر مشهدًا لطفولي مع خالي كان يزورنا عصرًا بعد يوم عمل شاق. كان أول ما يفعله أن يجلس معنا على الأرض، يتقاسم الضحك والمزاح والحديث، ثم يسأل بجدية: “كيف دراستكم؟ وكيف هي أحوالكم؟ هل من حاجة؟”. كلماته القليلة كانت أشبه بماء يروي عطش القلوب الصغيرة، وكان صوته يحمل رنّة الأمومة، وإن جاء من حنجرة رجل.

في الحديث: «الخالة بمنزلة الأم»، وفي امتداده: الخال هو أخوها، ظلّها الذي يسند أبناءها إذا مالت بهم الأيام.

الخال نبض الرحم، هو الجسر بين البيت وأصل الأم، الحارس لعاطفتها في غيابها، والمذكّر بأنّ الدم رحم لا ينقطع.

قرأت:
(لا توجد قاعدة مطلقة تقول إن الخال أحنّ من العم؛ فالعلاقات الإنسانية تتنوع وتختلف من شخص لآخر. غير أن الثقافة العربية تميل في مجملها إلى وصف الخال بالحنوّ والدفء، نظرًا لقربه من الأم ومكانتها، بينما تُشكّل علاقة العائلة مع الأب هيكلًا آخر مختلفًا) يقوم على المهابة والعمود. ولهذا يبدو الخال في السياق الشعبي أقرب إلى المرح واللين، بينما يظل العم أقرب إلى الوقار والصرامة.

في قصص الأجيال القديمة، كثيرًا ما ارتبط اسم الخال بالمدد في الشدائد: خال يُنفق من قوته على أبناء أخته، أو يرافقهم إلى المدرسة، أو يفتح لهم باب بيته في الغربة. وكان من المألوف أن يُقال: “إذا ضاقت بك الأرض، فاذهب إلى خالك”. هذه المقولة لم تكن شعارًا فارغًا، إنما واقعًا عاشته بيوت عديدة.

وفي أيامنا هذه، ما زال الخال يحتفظ بمكانته. كم من أبناء ينتظرون مكالمة خالهم أو رسالته في لحظة فرح أو حزن. صوته وحده كفيل أن يُعيد ترتيب الفوضى داخل القلوب. وربما تجد الخال اليوم يشارك أبناء أخته في تفاصيل التكنولوجيا الحديثة، يُهديهم جهازًا، أو يتابعهم عبر منصات التواصل، لكنه في النهاية يُقدّم الرسالة نفسها: أنا هنا، كما كنتُ دائمًا.

الخال يجمع بين دور الأب الرفيق ودور الصديق المقرّب. قد يستشيرونه في شؤونهم الخاصة، فيسمعون منه ما لا يقدرون أن يسمعوه من آبائهم مباشرة. وهو الذي يملك أن يُخفف صرامة الأب أو يُوصل رسائل الأم في ثوب أبويٍّ لطيف.

الخال، نبض الرحم، لا يُختصر في لقب ولا في كلمة، هو تجربة حيّة متجددة. هو شاهد على أن روابط الدم ليست فقط صلة نسب، وإنما صلة قلب، تُثبت أن الرحمة أوسع من الحدود الضيقة للعائلة. فإذا ذُكر الخال، ذُكرت الأم في مرآة أخرى، وذُكر الحنان ممتدًا في ظل رجل يحمل ملامحها بين جنبيه.


error: المحتوي محمي