30 , مايو 2026

القطيف اليوم

عبد الستار الموسى.. فنان مبدع يرحل بصمت

كنتُ بالأمس أتصفّح قروب جماعة الفن التشكيلي بالقطيف، وإذا بي أقرأ سيرة فنان على هيئة نقاط أشبه بالمحطات المختزلة، ولأنني على اطّلاع كامل حول سيرته الفنية، وجدتُ محطة هامة غير مذكورة وددتُ أن أُبيّنها للأعضاء، وهي الاحتفائية بمعرضه الأول بعد عودته إلى أرض الوطن بعد غربة دامت 31 عامًا، معرض تبنّت إقامته جماعة الفن التشكيلي بالقطيف على صالة مركز الخدمة الاجتماعية بمحافظة القطيف، وقد افتتحه الشاعر الكبير عدنان العوامي يوم الخميس 20 أبريل 2012، وشاركته زوجته الفنانة الروسية (نتاليا ستنيلاففنا ريدر)، وكان عنوان المعرض: من صحراء الدهناء إلى ثلوج سيبيريا.

وبينما كنت أستعد لتبيان ذلك، وإذا بصورة الفنان تُنشر في القروب باللونين الأسود والأبيض ومكتوب أسفلها: (إنا لله وإنا إليه راجعون). معقوووول هذا الخبر! تواصلت مع الفنان حسن أبو حسين لأتأكد منه، فهو من نشر السيرة والصورة، فأجابني بأن الخبر صحيح ومبثوث في (الأحساء نيوز)، ونسخ إعلان الوفاة من الصحيفة الإلكترونية، وأرسله لي للتأكيد. وعلى عجل فتحت صفحة الوفيات في قطيف اليوم وأقرأ صيغة النبأ الصادم.

سادني الصمت ودخلت في حالة من الحزن والأسى مجددًا، فقد حاولت أن أتحرر منهما بعض الشيء على أثر رحيل والدتي منذ عدة أشهر، ما أقسى عذابات الرحيل المفاجئة. رحل إنسان عزيز على قلبي، تعرفت عليه حديثًا لكن صار التقارب بيننا حبله متينًا كأننا نعرف بعضنا من سنين. فتح لي قلبه وخزين أسراره ومكابداته الحياتية ودراسته الأكاديمية، وعلى أثر ذلك كتبت عن سيرته بشيء من التفصيل عبر 35 حلقة نشرت في قطيف اليوم عام 2019م تحت عنوان: (الموسى ونتاليا.. سفر للحلم والمعنى).

وكانت الخطة أن تُنشر كل الحلقات في كتاب حسب رؤيته وحماسته، كتاب مزوّد بالصور واللوحات وبعض الإضافات من هنا وهناك لمستجدات من حراكه الفني. حلم ظلّ معلّقًا إلى أن يأتي الظرف المناسب لتحقيقه في يوم ما، وها قد جاء خبر رحيل صاحب الشأن الفنان عبد الستار الموسى. بالأمس كنت أتحاور معه لترتيب ذلك الحلم، واليوم مع من أتحاور؟!

ما أقسى الأيام التي تباغتك برحيل الأحبة واحدًا تلو الآخر! هل تلوم الزمن أم تلوم نفسك بمراوحة التواصل وتقطّعه حينًا؟

الفنان عبد الستار الموسى خرج من أرض النخيل والعيون عام 1975، خرج من بلاد هجر ليهاجر إلى الاتحاد السوفيتي لدراسة الفن، ولأن الحلم البروليتاري سكن روح الشاب وهو على مقاعد الثانوية وبتفتّق الوعي على أطروحات سلامة موسى الجدلية، طار إلى بلاد البلاشفة تحت جنح الظلام متخفيًا عن الأهل وعيون العسس، مارًّا من بلد إلى بلد، واصلًا إلى الساحة الحمراء ملقيًا التحية للمطرقة والمنجل، مؤمنًا بالشعار الأممي (يا عمال العالم اتحدوا)، مشمّرًا عن ساعديه ليتعلم الفن على يد عمالقة فناني الشعب، دراسة لا هوادة فيها ولا تكاسل، إما أن تكون أو لا تكون.

أتقن اللغة الروسية بطلاقة ودخل في المعمعة، التحدي الأكبر: إتقان المهارة الفنية على أسس علمية صحيحة، مأخوذًا بالواقعية الاشتراكية ومثلها العليا، الفن في خدمة المجتمع، فلا يُسمح بفن التهريج مثل التجريد العبثي بسكب الألوان كيفما اتفق، كما تبنّته مدرسة نيويورك عبر جماعة جاكسون بلوك، وهي حرب باردة عبر الفن قادتها أمريكا وجنّدت لها النقاد والمنظرين والمسوقين، مدّعين بأن حرية الفنان مطلقة وفوق كل اعتبار، لا حدود لتعبيره، وهذا ما قاله مؤرخو الفن بعد انتهاء المعسكر الشرقي وسقوط الجدار الحديدي.

عندما بدأ عبد الستار الموسى دراسته معتقدًا بأنه فنان نافش ريشه -حسب وصفه-، أسمعه أساتذة الجامعة كلامًا حازمًا وقالوا له: (انسَ أنك فنان، ما تملكه من مهارة لا يتعدى إمكانيات هاوٍ يتسلى لتزجية الوقت)، ففهم النصح بالسمع والطاعة، ماشيًا على هدي الكبار داخل الحرم الجامعي وخارجه حيث المتاحف تقدم فنون أساطير الفن الروسي في المدن الكبرى.

حدائق وميادين تزينها نصب جمالية لرموز ثورة أكتوبر والنصر في الحرب العظمى بهزيمة النازية، تمجيد طاغٍ في كل بلدة وإقليم، والثقافة الاشتراكية محرضة على الإبداع في الأدب والشعر والمسرح والسينما والسيمفونيات، فبرزت أسماء مبدعة سطعت في كل مجال، متكئة أساسًا على إرث حضاري ممتد عبر قرون.

من هذه الأجواء الفاتنة تشبّع الشاب عبد الستار الموسى فنًا وثقافة رصينة، روحه الجادة والمثابرة دراسيًا مكنته من نيل البكالوريوس والماجستير، متخصصًا بفن الجرافيكس على مدى سبع سنوات قضاها على مقاعد الدراسة بصبر وتأنٍ، اكتساب فن ومعرفة ومهارة أكاديمية عالية، قطف خلالها وردة شابة، فنانة موهوبة أصبحت شريكة عمره وهو لم يزل طالبًا، وهي المتخصصة في التصوير وكتب رسوم الأطفال (القصص المصورة)، فكان التنافس على أشده بينهما، أثمر عن إقامة معارض مشتركة في موسكو وأوكرانيا وأبوظبي والقطيف والدمام وداخل أرامكو.

عبد الستار عاش حياته بالطول والعرض من أجل الفن ولا غير الفن، لا يمر يوم مع زوجته إلا ونقاش متجدد حول الفن وآفاق التشكيل، وكل منهما ينقد عمل الآخر قبل أن يراه الجمهور.

لديه قدرة في التصوير الزيتي مريحة وجاذبة بصريًا، واللوحة عنده تحمل دلالة ومعنى وذات عناصر واضحة لا تعقيد ولا غموض فيها، والمحور الأساس في جميع أعماله هو الإنسان بكدّه وسعيه وحزنه وفرحه وسيرة حياته اليومية، أمينًا للواقعية الاجتماعية بشكل عام التي تنحاز للشعب، وفي نظره اللوحة يجب أن يفهمها كل الناس ويتذوقها الجميع.

تتجلى مهارته العالية بتقنيات فن الجرافيكس، ويعتقد الفنان المصري أحمد أمام، المتخصص بفن الجرافيكس، حيث يقول: (عبد الستار الموسى أفضل فنان سعودي في فن الجرافيكس لا يضاهيه أحد).

استلهم عبد الستار من موروثات بيئته وأخرج أغلب كنوزها ضمن تكوينات متعددة، وبالفعل امتلك ناصية فن الجرافيكس بعلم وخبرة ودراية، واكتشف تقنية غير معروفة من قبل، وهي الحفر على الكرتون بطريقة مبتكرة، جمع فيها كل تقنيات الجرافيكس الأساسية مثل الليتوغراف (الرسم على الحجر)، والأفورت (الحفر على النحاس والزنك)، واللينوليوم (الرسم على الكاوشوك)، وأفضت به هذه الخلطة العملية إلى تقنية جديدة لم يسبقه إليها أحد، فكرة رائدة أهلته للحصول على درجة الماجستير، وهو مشروع التخرج من أكاديمية سوريكوف.

يتمتّع عبد الستار بإنتاجية في هذا الفن، ولديه ألبومات عديدة اطّلع عليها المقرّبون ولم تُعرض للعامة. يمتلك الفنان حساسية عالية في قراءة أي عمل فني يراه من النظرة الأولى، صريح في رأيه، لا يُجامل ولا يُداهن أحدًا، يرمي كلامه على أساس فني دون أي اعتبار لردة فعل الآخر، الأمر الذي أوقعه في إشكالية الفهم؛ فهو لا يتقصد الهجوم على شخص الفنان إنما تقييم العمل الفني في حد ذاته.

إذا اقتربت من شخص عبد الستار وعاشرته ستكتشف اطّلاعه الواسع في أمور عديدة في الأديان والعقائد وتحولات التاريخ وتقلبات الأمم، واختلاف الأجناس والأعراق، ويصرّح بما يؤمن به دون مواربة.

ولديه فلسفة فنية ممتعة اكتسبها من أساتذته، من ضمنها: (عندما تصل لمرحلة ما في إنجاز العمل الفني وجب عليك أن تتوقف، وإذا واصلت تعتبر كل إضافة زوائد لا لزوم لها).

ومن مقولاته التي وثقتها عبر سيرته المعنونة بـ (الموسى ونتاليا.. سفر للحلم والمعنى – مقتبس من الحلقة 5)، حيث يقول الموسى: (ليس الفن رسمًا فحسب، ولكن هاجسًا يحمل صورًا شتى من المعاني والأفكار)، وأضاف: (أن تمتلك قدرة أو مهارة ما شيء مطلوب وضروري، ولكن كيف تفعل اشتغالك بثقافة التطلع إلى ما وراء العمل الفني، وتقرأه بصورة مغايرة وغير اعتيادية).

وأيضًا لديه 100 طريقة لتحضير العمل الفني بمختلف الخامات وتنوع الأدوات، من فن الفريسكو والفسيفساء إلى النحت والريلييف، وليس انتهاءً باللوحات المسندية.

عبد الستار أشبه بموسوعة فنية ثقافية متنوعة، نثر جزءًا منها في جلسات أربعائية السليمان على مدى عشر سنوات.

مبهر في فنه، مبهر في مغامراته، حيث كان لديه استوديو في مدينة ماريوبول المطلة على بحر آزوف، توقف عن المجيء إليه بعد أن نشبت الحرب الروسية الأوكرانية في إقليم دونيتسك المتنازع عليه.

عبد الستار كثير الإنجاز في كل مكان، فقد رسم حياة العمال، خصوصًا المنقبين عن النفط في صحراء الربع الخالي حيث تواجد الشركة الروسية التي انضم إليها بعد مجيئه للمملكة سنة 2006م، وأنتج أعمالًا آسرة تشعر معها بجمال الصحراء في أوقات مختلفة.

بعد أن أُحيل للتقاعد انكفأ في بيته في الدمام بحي المحمدية يرسم بشكل يومي، وانتقل أيضًا إلى جنوب سيهات في بيت آخر، وحين اشترى بيتًا في حي الفيصلية بالدمام بعد أن تخلّص من هموم الإيجار، أصبح عنده مكان أوسع ليمارس الفن برفقة زوجته الفنانة نتاليا، تنافس أثمر عن إنجاز أعمال لم يرها أحد، وكانا يعتزمان إقامة معارض مشتركة قادمة في روسيا والمملكة وفي أرض الله الواسعة، لكن يد المنون خطفته من أحبائه ومن إكمال طموحاته.

مثّل المملكة في عدة مناسبات فنية داخل المملكة وخارجها، وتنبه له المؤرخون السعوديون متأخرين، وعدّوه أحد القامات الفنية التشكيلية الكبيرة.

بالأمس رحل فنان مبدع لم يحظَ بالتكريم في بلده!

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي