04 , أبريل 2026

القطيف اليوم

بين زمنين: مسجد الإمام الحسن (ع) في كويكب القطيف… من أطلال الطين وحجارة البحر.. إلى صرح يحفظ ذاكرة المكان

في حي الكويكب بمدينة القطيف، يقف مسجد الإمام الحسن (عليه السلام) شاهدًا على تحوّلات المكان، وناطقًا بلغة الزمن الذي مرّ من بين جدرانه.

صورتان ترويان الحكاية: إحداهما تعود لعقودٍ مضت، تُظهر البناء المتواضع بحجر البحر والطين المحاط بالنخيل، وأخرى حديثة توثّق بناءً معماريًا متقنًا بأحجاره المصقولة.

ويبرز المسجد في الصورة الحديثة، بهيكله الجديد، مكسيًّا بالحجر الكريمي ومزيّنًا بقبة ومنارتين شامختين، تتوسطه نوافذ مقوّسة بطابع إسلامي، وتجاوره مبانٍ سكنية ومرفق مستقل بواجهة ناعمة وسلالم حديدية خارجية، وهو ليس جزءًا من بيت الصلاة. ويظهر كل ذلك بجانب ساحاتٍ ترابية لا تزال على حالها، تُذكّر بأن التحوّل لم يكتمل بعد، لكنه يسير بثقة.

أما الصورة القديمة، فهي قطعة من ذاكرة الطين. مبنًى منخفض بسقفٍ مسطّح، نوافذه تتخذ شكل العقود الإسلامية، وجدرانه من حجارة البحر والطين، بلا أي مئذنة أو قبة. تحيط به بقايا حوائط مهدّمة وساحة ترابية تعبق برائحة الزمن. كان المسجد آنذاك ملاذًا صغيرًا لأهالي الكويكب وصولاً إلى الشويكة، بناه الأجداد بأيديهم، وعمّروه بإيمانهم، رغم تواضع مواده.

ويتولد عند تأمّل الصورتين، شعور بالامتنان لاستمرارية المكان رغم تغيّر الزمن، وتنبعث في القلب مشاعر حنين دافئة للماضي القريب، حيث البساطة والسكينة وروائح الطين. الصورة القديمة تلامس القلب بعبق الأصالة، تحكي عن جيلٍ صلّى على الرمل، وتفيّأ ظلّ النخيل. أما الصورة الحديثة، فتبعث على الفخر، بما وصلت إليه العمارة من دقّة واهتمام، دون أن يفقد المكان هويته، رغم أنه فقد نمطًا من البناء القديم الأثريّ الذي لا يُقدّر بثمن، فهو أكثر من بناء.. إنه ذاكرة حيّة تنبض بتاريخ أجيال.

وتعد إحدى أبرز المفارقات بين الصورتين هي غياب أشجار النخيل التي كانت تحيط بالمسجد القديم وتشكل جزءًا من هويته البصرية والبيئية. في الصورة القديمة، يظهر المسجد كأنه يحتضن في قلب بستان، تتعانق جدرانه الطينية مع ظلال النخيل الوارفة، وكأن الطبيعة تشاركه العبادة والسكون. أما في الصورة الحديثة، فقد اختفت تلك الأشجار، ليحل محلها فراغ ترابي واسع، وتجاور المسجد مبانٍ سكنية تحيط به من جهات عدة. هذا الغياب لا يمثّل فقط تحوّلًا في المشهد الطبيعي، بل يوحي بفقدان ملمحٍ أصيل من روح المكان، إذ كانت النخلة جزءًا من تفاصيل حياة، وامتدادًا لذاكرة خالدة في الأذهان.

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image


error: المحتوي محمي