يحدث ذات مرة أن نجلس في بستان في طقس معتدل -مثل طقس هذا المساء- فيقول أحدنا: الله! ما هذا الجمال والروعة؟ إنه يشبه الجنة! كيف تتصورون الجنة وما هو أجمل شيء فيها في رأيكم؟
إذا سألتني ما هو أجمل شيء في الجنة -إذا أكرمني الله سبحانه وتعالى وتعطّف عليّ بدخولها- فهو في رأيي غياب العقاب ودوام الراحة، مع أن القرآن الكريم يعطي أوصافًا كثيرة للجنة وراحة سكانها الدائمة والنار وشقاء سكانها. تخيل أنك لا تفكر مطلقًا في موت ولا ألم ولا وجع ولا همّ ولا غمّ! في قصر كبير أم في بيت صغير لا يهمّ!
يذكر القرآن الكريم حكاية حوار دار بين رجلين؛ الأول: رجل نظر إلى أشجار حديقته الخضراء المثمرة، وسمع صوت جريان الماء في الأنهار التي تسقي الزرع والأعناب والنخل فقال كما يحكي عنه القرآن: {مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا}. أصابه الغرور وتضخمت صورته لجنته في الدنيا في نظره ووصل إلى حالة بدأ يظن معها أن هذه الثروة والمال والجاه والنفوذ إنما هي أمور أبدية لن تفنى. أجابه الرجل الثاني الذي كانت الصورة واضحةً لديه: {أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلا (37) لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا (38)}. إن كنتَ أنكرت وجود خالقك الذي خلقك من تراب، ولم تكن شيئًا قبل ذلك، فأنا لا أفعل ذلك أبدًا!
مهما تخيّلنا جمال الجنة ونعيمها فهو باختصار: {لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}؛ يا ساكن الجنة اطلب ما تريد! في الدنيا لا يمكنك أن تحصل على كل شيء، وفي الآخرة اطلب ما تشاء دون حدّ تحصل عليه! عرف الأنبياء والأصفياء هذا المعنى جيدًا، عرفوا خساسة جهنم ولطف الجنة فابتعدوا عن الشرّ والمعصية بمقدار ما عرفوه واقتربوا من الخير والطاعة بمقدار ما عرفوه.
"ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها. ولا كالنار نام هاربها"! هكذا يصور الإمام علي بن أبي طالب حال من يريد الهروب من النار ودخول الجنة؛ من أعجب العجائب نوم وكسل طالب الجنة لعظمة نعيمها ونوم الهارب من النار لشدة أهوالهَا ومصائبها! أين المشكلة في الإنسان إذن؟ كيف لا نصدق ونتخيل الخطر العظيم؟ كيف لا نصدق السعادة الدائمة؟ إذا تخيلنا وصدقنا كيف لا نعمل؟
لا تنس أيها القارئ الكريم أو القارئة أن تنظر في الآيات السابقة وفي تفسيرها ولا تأخذ تفسيرها من خاطرة قصيرة!



