29 , يوليو 2026

القطيف اليوم

حين انطفأ الكون في عينيكِ بعد رحيله

على غير العادة، واستثناءً، فإن هذا النص ليس كلمة رثاء في حق المرحوم منصور مهدي المتروك رحمه الله، وإنما هي كلمة مواساة موجهة إلى زوجته، رفيقة دربه، منى عبدالله الشماسي؛ لعلها تكون ضمادةً لقلبها، وسندًا لها حتى تقف على قدميها بثبات. فقد رحل السند، وبقيت المسؤولية، وبقي الوجع.. وأنا هنا لأقول: لستِ وحدكِ، فالجميع معكِ.

قبل كل شيء، رحم الله ذلك الرجل الطيب المتواضع منصور مهدي المتروك، والفاتحة على روحه الطاهرة.

لقد رحل على مهل، يومًا بعد يوم، وهو على سرير المرض. كان أوسع من البيت، وأضيق من النفس.

لقد رحل من كان وطنكِ يا منى. نعم، رحل من كان معكِ دائمًا. وعند رحيله لم تفقدي زوجًا فقط، بل فقدتِ الأمان، والاسم الذي كنتِ تختبئين خلفه من الكون.

توجعتُ عندما سألتكِ: كيف حالكِ؟ وكأنكِ تجيبين في سركِ: كيف لي، كامرأةٍ مات أمانها، أن أكون بخير! أدرك تمامًا أن الحزن والخوف قد استيقظا في داخلكِ بعد رحيله.

ومنذ غيابه، صار للبيت صوتان:
صوت نحيبكِ عليه، وصوت الذكريات معه.
كنتِ تشتكين له من الدنيا يا عزيزتي منى، واليوم تشتكين الدنيا كلها لغيابه.

أنتِ من تحملين وتتحملين وجع غيابه وحدكِ، وقد كان هو السند لكِ. وفي داخلكِ امرأة تنهار بهدوء. وأصعب ما في الأمر ليس الحزن الكبير في داخلكِ، بل تفاصيلكما الجميلة معًا التي توجعكِ.

يوجعكِ كلما لمحتِ كوب قهوته الذي كان يحبه، وبقي مكانه فارغًا من دونه. وكأني أراكِ تمشين بين أرجاء البيت، فتداهمكِ رائحة عطره في أحد الأركان، وفي زاويةٍ ما. وكأني ألمحكِ جالسةً على الكرسي في الصالة، فتتذكرين كيف كان يضحك وهو يقول لكِ: ارتاحي.

لكنكِ، رغم كل هذا، لن تنكسري؛ لأنكِ زوجته ورفيقة دربه الوفية، والوفاء لا يموت مع الراحلين. فبكاؤكِ عليه عبادة، وصبركِ على فراقه عبادة، ودعاؤكِ له بالرحمة عبادة أيضًا.

أدرك تمامًا أنه، رغم اكتظاظ الكون والقلب بالوالدة، والأخوات، والأقارب، والصديقات حولكِ، إلا أن غياب المرحوم منصور كان أوسع من أي حضور. هو عمود البيت الذي مال برحيله. نعم، رغم الجميع حولكِ، كان النقص واحدًا لا يجبره أحد! فالوحشة والوحدة ليستا في قلة الناس، ولكن فيمن يغيب عنا، وهو الذي كان الناس كلهم في شخصٍ واحد.

ولي كلمة في المرحوم منصور المتروك:

كان صديق الجميع. بابه لا يُغلق، وبيته لا يخلو، وجيبه لا يُسأل عنه. إذا احتاجه البعض وجدوه حاضرًا، ولم يكن يُذكر اسمه في مجلس إلا وذُكرت معه الطيبة. والآن قد خلا المكان الذي كان يجمع، وغابت اليد التي كانت تمتد قبل أن تُطلب.

وفي النهاية يبقى السؤال الذي يخنق الحروف:

كيف لكِ أن تتأقلمي يا منى مع عيشٍ بلا ظله؟

رحم الله من كان لكِ الوطن يا منى، وجبر الله قلبكِ حتى يليق بكِ الصبر.


error: المحتوي محمي