عندما نلتفت ونسلّط الضوء على فكرة وجود الألم والآثار المترتبة على أي أزمة أو صعوبة ترافقنا في إحدى محطاتنا الحياتية، فإننا لا ننكر وجود أصل الأثر البالغ له، ولكن هذا لا يعني الاعتراف بهذا الواقع كأمر مسلَّم وقضاء لا مفر ولا خلاص منه، بل على العكس تمامًا، فإن الاعتراف والإقرار بوجود الشدائد والصعوبات كلون حياتي لا استثناء لأحد منه، يمنح الإنسان القوة والاقتدار في مواجهة التحديات وخوض معترك الحياة ببصيرة وحكمة. فإن التصور الواضح والشامل لأبعاد هذا المفصل الحياتي الصعب يجعله يأخذ الحيطة والحذر واستعداداته اللازمة لمواصلة مسيره بما يحول بينه وبين السقوط، فعدم نكران وجود الآلام وصفعات الزمن يستتبعه عدم تجاهل صعوبات التحديات واللازم للوقفات أمامها.
فالإنسان الناضج عقليًا يرفض أن يمنح الأزمات سلطة مطلقة على مصيره تتصرف فيه كما تشاء، فتلعب به وكأنه ريشة خفيفة تأخذها الرياح العاتية يمنة وشمالًا وتذروها بعيدًا، بل يتعامل مع الواقع ـ مهما كانت حالاته ـ برؤية منطقية تنبعث من تصور شامل للأحداث والظروف، ثم ينطلق من مبدأ تحمل المسؤولية لمعالجة الموقف والبحث عن حلول ممكنة يتجاوز من خلالها مرحلة الخطر والخسارة.
وأما الاستغراق في أحلام اليقظة والأوهام فلن يغير الواقع، بل يدفعه أكثر فأكثر نحو استحكام المشكلة به وحلول اليأس والاستسلام في نفسه، وبدلًا من استثمار ما يملكه من قدرات وإمكانات متاحة وتوظيفها في طريق المعالجة والبحث عن حلول تسعفه وتنقذه، ينشغل باجترار الآلام وتعداد ما فقده، ويحلم مجددًا بما كان عليه من حال حسن وجميل!
النضج العقلي والملكة العقلية لإدراك الأحداث ومجريات الأمور، والفكر الوقّاد الذي يهرع لمعالجة المشاكل والصدمات والعثرات ومحطات الإخفاق، يمثل القوة الوقائية التي يتدرع بها الإنسان ويلف بها أهدافه وطموحاته من السقوط إذا ما حلّت الشدائد. فتلك الملكة العقلية تمثل بصيرته ونظرته للأمور بعين الواقعية للمشاكل بعيدًا عن العواطف العمياء والخطوات الانفعالية المتهورة.
وهذا الوعي هو ما يمنع المشكلة من التضخم والتشعب والتعقيد والانجرار خلف مستجدات تصعّب الموقف أكثر من ذي قبل، إذ كثيرًا ما نرى أن البعض يغفل عن التركيز على المشكلة المعينة ويفتح بابًا للدخول في مشاكل أخرى، كما يجري في الخلافات الأسرية أو الاجتماعية، مما يعقّد الموقف ويتجه به، بدلًا من البحث عن معالجات، إلى مجرد تنفيس ونوبة غضب لا تبقي ولا تذر.
بينما العقل الواعي يدعونا، بنحو دائم، إلى حصر المشكلة أو الأزمة بما يحول بيننا وبين الدخول في تسلسل زمني طويل من الصراع الاجتماعي والنفسي والوجداني، فالإنسان الذي يملك بصيرة نافذة يعيش أكثر هدوءًا، ويحصر عمله على المعالجة دون الدخول في معارك هامشية تستنزف طاقاته.
كما أنه يعمل على اتخاذ قرارات أكثر اتزانًا بعد تمعّن وبحث ومراجعة وتفحص لأفضل الطرق وأسلمها، ويحتفظ بطاقته لما هو أجدر بها من مهام وواجبات تحتاج إلى صفاء ذهني، وسعة من الوقت، وطاقة جهدية يبذلها، فلا تستنزفه المعارك الصغيرة، ولا تشتته الضوضاء العابرة، مما يمكن تجاهله أو معالجته بأدنى عمل يقوم به.



