15 , يوليو 2026

القطيف اليوم

حارس «العشيش» المظلوم

حين رثى الحاج حسين مهدي مطر «ابن العريس» في نخيل القطيف

في الأزمنة التي كانت فيها واحة القطيف تمتد بساطاً أخضر من النخيل، وكانت «العشيش» المصنوعة من سعف النخيل  تحتضن الأسر في بساطة وطمأنينة، لم يكن الإنسان يعيش وحده في تلك البيئة، بل كانت حوله كائناتٌ كثيرة تؤدي أدواراً  خفية في حفظ التوازن الذي أودعه الله في الطبيعة.

ومن بين تلك الكائنات برز «العريس» – وهو الاسم الشعبي الذي يطلقه أهالي القطيف على النمس الرمادي – كحارسٍ صامت، عاش قريباً من المزارع والبيوت، قبل أن يتراجع وجوده تدريجياً حتى أصبح من النوادر التي لا يشاهدها إلا القليل.

وقد أعادت إلى الواجهة هذا الكائن المنسي مكالمة هاتفية جمعتني بالحاج حسين مهدي مطر، أحد أبناء الواحة الذين عاصروا تفاصيل الحياة الزراعية القديمة، وما زالوا يحتفظون بذاكرة نابضة عن الإنسان والنخلة والمزرعة.

لم يكن حديثه مجرد حنين إلى الماضي، بل كان وقفة تأمل في علاقة الإنسان بالطبيعة، حين قال:

«وجود  العريس كان لطفاً إلهياً خفياً غفلنا عنه. نحن البشر كثيراً ما نصنع خسائرنا بأيدينا؛ حاربناه ونصبنا له الفخاخ لأنه افترس دجاجة أو أكل بعض البيض، ونسينا أن الجوع فطرة يشترك فيها الإنسان والحيوان. ولو أدركنا ما كان يقدمه من فوائد، لما استعجلنا القضاء عليه.»

كانت كلمات الرجل تختصر قصة طويلة من سوء فهم الإنسان لبعض الكائنات التي شاركته الحياة، فحكم عليها من زاوية الضرر المحدود، وغفل عن المنافع الكبيرة التي كانت تؤديها بصمت.

حارس البيوت والمزارع

في زمن «العشيش» لم تكن البيوت محكمة الإغلاق كما هي اليوم، وكانت الأفاعي والعقارب والقوارض تجد طريقها إلى المساكن والمزارع، فتشكل خطراً دائماً على السكان، خصوصاً الأطفال.

وفي تلك البيئة، كان «ابن العريس» أحد المفترسات الطبيعية التي تحد من أعداد القوارض وبعض الزواحف والهوام، وهو ما جعل وجوده جزءاً مهماً من منظومة التوازن البيئي التي حافظت عليها الطبيعة عبر أجيال متعاقبة.

ولذلك لم يكن حضوره مجرد وجود عابر، بل كان يؤدي وظيفة بيئية حقيقية، وإن لم يدركها كثير من الناس آنذاك.

عندما اختل التوازن

ومع توسع العمران، وانحسار البساتين، واختفاء «العشيش»، وملاحقة هذا الحيوان وقتله في كثير من المواقع، تراجع وجوده بصورة لافتة، لتخسر البيئة أحد عناصرها الطبيعية.

ولعل هذه القصة تمثل نموذج متكرر لما يحدث عندما يتدخل الإنسان في منظومة البيئة دون أن يحيط بوظائف مكوناتها؛ فاختفاء كائن واحد قد ينعكس على توازن منظومة كاملة.

ذاكرة الواحة… ورسالة للمستقبل

إن ما رواه الحاج حسين مهدي مطر ليس مجرد ذكرى من زمن مضى، بل هو شهادة شعبية تستحق أن تُروى، لأنها تذكرنا بأن الإنسان كان جزء من الطبيعة، لا سيد مطلقاً  عليها.

فالبيئة لا تقوم على الصراع، بل على التكامل، ولكل مخلوق فيها وظيفة قد تخفى على الإنسان، لكنها لا تغيب عن حكمة الخالق سبحانه وتعالى.

ومن هنا، فإن استحضار سيرة «ابن العريس» ليس رثاءً لحيوان اختفى فحسب، بل هو دعوة إلى إعادة قراءة تراثنا البيئي، واستعادة الوعي بقيمة التنوع الحيوي الذي عاش في واحاتنا، وأسهم في حمايتها، قبل أن تمتد إليه يد الإنسان دون أن تدرك أثر غيابه.

وربما كان أجمل ما في حديث الحاج حسين أنه أعاد الاعتبار إلى كائن عاش عمره حارس صامت، ولم يعرف الناس فضله إلا بعد أن غاب


error: المحتوي محمي