إننا نعيش في عالم المادة الذي طبيعته التنازع والاختلاف وهذا تكوين ثابت لهذا العالم؛ فلا بد أن يحصل بيننا الاختلاف وربما التنازع، فالعلماء والفلاسفة يعبرون عن هذا الكون بأنه دار تزاحم، حيث تتصادم فيه المصالح والماديات، ومن هذا التزاحم ينشأ الاختلاف، ولذا شرع الله لنا القضاء والفصل في المعاملات، وبين أحكام البيع والشراء وغيرها من أحكام المعاملات لحفظ النظام الإنساني.
هذا الفهم يؤصله القرآن الكريم في قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)
ولما وُجدنا في عالم المادة وجُعل الاختلاف واقعاً، كانت الحاجة للكتاب والتشريع ليحكم ويرفع هذا الاختلاف وهو حتمي لضبط التنازع.
وفي تراث أهل البيت عليهم السلام نجد هذا التشخيص جلياً، إذ جاء عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في نهج البلاغة: (من بالغ في الخصومة أثم، ومن قصر فيها ظلم، ولا يستطيع أن يتقي الله من خاصم)
وجاء في الأدب العربي عن ابن المعتزالعباسي:
اصْبِرْ على كَيْدِ الحسودِ فإنَّ صَبْرَكَ قَاتِلُهْكـالنَّارِ تَأْكُلُ بَعْضَـها إنْ لَـمْ تَجِـدْ مَـا تَأْكُلُهْ
هذا والكلام السابق فقط لتأصيل معنى التنازع والاختلاف و الخصومة ولكن الأمر له انعكاس نفسي وروحي بحيث إذا كانت الخصومة تمثل الواقع الخارجي، فإن النتيجة الحتمية لهذا التنازع لابد أن يكون لها تأثير على القلب، إما حسداً أو حقداً أو غيره من ملوثات القلوب، فعندما تتصادم المصالح، تتحرك الأنانية فيولد الحسد والبغضاء، كما في قوله تعالى: (ِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمِيسِرِ)
لاحظ أن البغضاء نشأت بسبب التنازع على مكاسب زائلة، ولا شك أن محل البغضاء هو القلب وقد حذر أمير المؤمنين عليه السلام من هذا الأثر القلبي ومما يسببه حين قال: (إياك والنميمة فإنها تزرع الضغينة وتبعد عن الله والناس)
ولكن السؤال ماذا نفعل أمام هذا الخطر الروحي؟
أظن أنه لا بد لنا من ترياق أخلاقي لتطهير الباطن، حيث نجد إرشادات آل محمد عليهم السلام تحث على تطهير القلوب عن هذه المشاحنات والتباغض بالاستغفار والدعاء للآخر وغيرها من مصلحات الباطن، مستلهمين ذلك من قوله عز اسمه: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا)
فقد جاء عن الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية ذروة التسامي حين كان يدعو لخصومه ومن نازعوه في الدنيا بقوله:
(اللَّهُمَّ وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَالَ مِنِّي مَا حَظَرْتَ عَلَيْهِ، وَانْتَهَكَ مِنِّي مَا حَجَرْتَ عَلَيْهِ، فَمَضَى بِظُلَامَتِي مَيْتاً، أَوْ حَصَلَتْ لِي قِبَلَهُ حَيّاً، فَاغْفِرْ لَهُ مَا كَنَفَ بِي عَنْهُ، وَاعْفُ لَهُ عَمَّا أَصْحَبَ بِي مِنْهُ، وَلَا تَقِفْهُ عَلَى مَا ارْتَكَبَ فِيَّ) هذا فضلاً عن العلاجات الملموسة كقول الصادق عليه السلام: (تَصَافَحُوا، فَإِنَّ التَّصَافُحَ يُذْهِبُ السَّخِيمَةَ) والسخيمة هي الحقد والضغينة
بقي ركن مهم لهذه الحالة وهو أن من كان في قلبه شيء وهو يحاول الآن علاجه، ينبغي له ألا يجعل ذلك البغض أو الشحناء تظهر في سلوكه، فإنه سوف يحاسب على هذا السلوك، فليس الإعراض بالوجه، والسب، والتحدث في المجالس، والغيبة، ودقيق اللمز بسلوك يجب أن يظهر من الخصم، فهذا يزيد من التباعد والهجران.
يقول الله تبارك وتعالى: (وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ) وعن النبي صلى الله عليه وآله في حديث الرفع: (وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي... والْحَسَدُ مَا لَمْ يُظْهِرْ بِلِسَانٍ أَوْ يَدٍ) فالإنسان معذور في مجاهدة مشاعره، لكنه محاسب على جوارحه، والظلم كما يقول المتنبي متأصل:
الظُلمُ مِن شِيَمِ النُفوسِ فَإِن تَجِد... ذَا عِفَّـةٍ فَلِعِلَّـةٍ لا يَظْلِـمُ
ختاماً، لا بد من التوصية لي ولك أيها القارئ العزيز بضرورة مراعاة أحوال القلب، وعدم الاستسلام لأمراضه، ولعمري نجا ونجح من استطاع أن يقود قلبه ويطهره؛ فإنه كلما تقدم بنا العمر اقتربت رحلة الحياة من التوقف، وما أحوجنا بأن نلقى الله بقلوب سليمة، لنكون ممن يدخل في صدق قوله عز وجل: (إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)
والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين



