14 , يوليو 2026

القطيف اليوم

وقفة على باب الجنة

حيث كانت أول خطواتك إلى الجنة…
للتو قد انتهيت من الحساب، فما لبثت أن انطوت صحائف أعمالك، حتى تبدأ رحلتك التي طالما قرأت عنها وتخيلتها واشتقت إليها ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. إنها الملائكة تسوقك بلطف، ترفقًا بك إلى المأوى الذي قد دام انتظاره. وجهك مشرق منير، بخطوات مطمئنة، غير أن عينيك ليستا إلى الأمام، منشغلتين بالنظر إلى وجه الحسين عليه السلام. فأنت ممن قضيت عمرك وأنت ترفع راية الحسين عاليًا، وتبكي مصابه، وها أنت الآن تجد نفسك غير قادر على الالتحاق بدوحة الخلد قبل أن يطمئن قلبك إلى أن سيد شباب أهل الجنة، المولى أبا عبد الله، قد سبقك إليها. إنه ماثل في قلب الجنان، تمامًا كما كان حاضرًا في قلبك.

تنفتح الأبواب…
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ لكن أول ما يلفت نظرك ليس بريق الذهب ولا القصور المشيدة، إنه السواد الحالك الذي يتدلى على الجدران، وكأن الجنة نفسها قد أعلنت الحزن الأبدي على الحسين. أما الحور العين فهن مشغولات بتزيين ذلك السواد بالدم الطاهر الذي أحيا الدين، حتى إنه ليخيل إليك أن كل زاوية تردد, السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.

تمتد أمامك طرق لا ترى لها من نهاية…
لا تعب في المسير ولا ملل ولا انتظار. وعلى جانبي الطريق تتوزع أنهار من ماء رقراق، وأخرى من عسل مصفى، وثالثة من خمر لذة للشاربين. تنساب فوقها جسور من نور، تحملك إلى جزر منفصلة، وعند كل جزيرة حكاية.

تشهد مآتم الحسين…
تلك المآتم المنعقدة في كل جزيرة على حدة تذكرك بالأيام الخوالي، عندما كنت تحييها مجلسًا مجلسًا، يومًا ما كنت قد وصلت إلى تلك المحافل أو شاركت في إحيائها في حياتك الدنيا، كل ذلك يتمثل أمامك حاضرًا. تتراءى في عينيك صور جلية، فهذا هو المجلس الذي بكيت فيه أول مرة، وذلك الذي حضرت إليه مع أبيك عندما كنت صغيرًا، وآخر كان في ليلة العاشر، وثانٍ في سفر، وثالث في مسجد صغير لم يكن فيه إلا عشرات من المحبين. لم يضع شيء ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ حتى الدمعة التي حسبتها قد جفت، إنها تنتظر مجيئك لكي تلتقطها.

القصور من خلف تلك الجزر…
قصور من زمرد وياقوت، ولؤلؤ ومرجان، وذهب وفضة، تتفاوت في علوها وسعتها وجمالها، بلا محاباة ولا ظلم ولا نقصان. كل قصر يحكي منزلة من مراتبك، وكل نافذة تعكس مقدار معرفتك بأهل البيت، وتقواك وقربك من الله ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾. تترك القصور وتمضي سيرًا حثيثًا في رحلة لا يعرف فيها جسدك جوعًا ولا عطشًا، ولا يعتري قلبك همٌّ ولا خوف. الهواء العليل، والظل البارد، والضياء الذي لا يذهب بالأبصار، بألوان البهجة التي لا تكاد ترتوي منها عيناك، بينما تتدلى الثمار الطرية من الأشجار الباسقة، بمجرد أن تقترب منها، فاذا هي غنية بكل ما تشتهيه نفسك، مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر. رمان زيتون تين روائح عبقة ألوان زاهية فاقعة تأخذ بالألباب. ثم يأتيانك ملكان رحيمان، فيقودانك برفق إلى منزلك ومستقرك ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ فتنتهي إلى قصر مكتوب عليه اسمك لا يكاد بصرك يحيط بجوانبه. أبوابه شامخة، وسقوفه لا تدرك لها نهاية، جدران يمتد بها نظرك فلا يبلغ منتهاها. بدأ يتبدد لديك آخر أثر للتعب الذي كنت قد كابدته في الدنيا، برهة وإذا بك تلتقي بأهلك الذين سبقوك بالإيمان ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.

هذا أول استقرار لك على سريرك…
﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ومن نافذة قصرك تطل برأسك فينكشف لك مشهد مخيف يحبس الانفاس، إنهم أهل النار ينادون أهل الجنة بصراخ وعويل ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾. فتستيقن بأن الطريق الذي سلكته في الدنيا مع كونه مليئا بذات الشوكة، الا انه كان هو السبيل الصحيح إلى مرضاة الله وجنانه. تمر الأيام بلا سقم، ولكن فجأة يحدث لك شيء غريب. إنه قلبك، فهو مشتاق إلى تلك الليالي ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ التي كنت تفرش فيها البساط في الحسينية، وتنتظر صعود الخطيب، لتذرف الدمع مع أول بيت من مراثيه. فتهيم بين بساتين الجنة باحثًا عن ذلك الناعي، وإذا به هو ذلك الصوت الذي كان يروق لك دون غيره. إنه القارئ نفسه الذي كنت تحرص على حضور مجالسه في الدنيا، فالنبرة نفسها التي كان يهتز لها قلبك.

فتقعد كما كنت تجلس…
وتخفض رأسك كما كنت تطأطئه، تنهمر دموعك، دموع الحزن ممزوجة بالوفاء، حب يخالطه الشعور بالتقصير. هنا تستوعب أنك لم تدخل الجنة بشيء أغلى مما كنت قد ادخرته في قلبك من حب صادق للأولياء. أما مالك فما بقي له من أثر، وجاهك قد تلاشى، وعمرك قد تصرم، ولم يتبقَّ لك شيء في رصيدك، ما خلا الدمعة المخلصة والولاء الصافي، ذاك الذي سبقك إلى الجنة، وكان أول المستقبلين لك على أبوابها ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾.


error: المحتوي محمي