حين تعلن الشركات والمؤسسات عن وظيفة جديدة فإن أول ما تبحث عنه هو سنوات الخبرة وكأنها الضمان الوحيد للنجاح لكن الواقع العملي يروي قصة مختلفة ففي كثير من الأحيان لا يكون صاحب السنوات الأطول هو الأكثر عطاء ولا الأكثر تأثيرًا
داخل أي بيئة عمل نجد موظفًا أمضى سنوات طويلة في وظيفته وآخر خبرته متوسطة وثالثًا التحق بالعمل حديثًا ومع مرور الوقت قد يلفت صاحب الخبرة المتوسطة أو حتى الموظف الجديد أنظار المسؤولين أكثر من غيره ليس لأنه يعرف كل شيء بل لأنه يمتلك الرغبة في التعلم والحماس للتطوير والاستعداد لبذل جهد إضافي كلما تطلب الأمر ذلك
الرغبة هي الوقود الحقيقي للخبرة فهي تدفع الموظف إلى السؤال والبحث والتجربة والاستفادة من أخطائه ومراقبة أصحاب الخبرة والتعلم منهم لذلك قد يختصر سنوات طويلة من التعلم في فترة زمنية قصيرة لأنه لا ينتظر أن تمر السنوات حتى يكتسب الخبرة بل يصنعها بنفسه كل يوم
أما الموظف الذي يكتفي بعدد سنوات خدمته ويظن أن الخبرة وحدها تكفي فإنه قد يتحول مع الوقت إلى شخص يؤدي عمله بطريقة روتينية دون تطوير أو ابتكار فتتوقف خبرته عند حد معين مهما طال بقاؤه في الوظيفة لأن السنوات ليست دائمًا دليلًا على النمو وإنما قد تكون مجرد تكرار للتجربة نفسها
ومن هنا فإن المسؤول الناجح لا يقيس الموظفين بعدد سنوات الخدمة فقط بل يراقب مستوى المبادرة والرغبة والقدرة على التعلم والتكيف مع المتغيرات لأن الموظف الشغوف بعمله غالبًا ما يكون أكثر إنتاجية وأكثر قدرة على حل المشكلات وأكثر تأثيرًا في زملائه وهو ما ينعكس على جودة العمل ورضا العملاء وارتفاع كفاءة المؤسسة وربحيتها
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الخبرة فهي كنز لا يمكن الاستغناء عنه لكن الخبرة الحقيقية هي التي تتجدد باستمرار وتبقى متعطشة للتعلم أما الخبرة التي تتوقف عند حدود الماضي فإنها تفقد قيمتها مع مرور الزمن
لهذا أرى أن السؤال ليس أيهما أهم الخبرة أم الرغبة بل كيف نجمع بينهما فالخبرة تمنح الإنسان الحكمة والرغبة تمنحه الطاقة وإذا اجتمعت الحكمة مع الطاقة وُلد الموظف الذي تبحث عنه كل مؤسسة ناجحة…



