14 , يوليو 2026

القطيف اليوم

حكاية قطعة قماش!

ألا ترى - القارئ الكريم والقارئة الكريمة - أن لقطعة القماش حكاية جميلة وطويلة في حياتنا، منذ أن نبصر الضوء حتى نموت ثمّ نبعث أحياء؟ في هذه الخاطرة أروي لكم حكايتنا مع قطعة قماش لا تزيد عن بضعة أمتار! ليست حكاية قطعة قماش فحسب إنما حكاية إنسان من الولادة وحتى يزف إلى الجنة أو يزج به في النار!

البداية:
مبارك لكم، جاءكم ولد، أو بنت، هاتوا قطعة القماش. الناس يتفرسون في وجهك الجميل؛ يشبه أمه، لا لا هو يشبه خاله. أشهر وأنت في قطعة قماش لا تختار لونها ولا شكلها ولا مقاسها ولا ثمنها. لا حول لك ولا قوة، غيرك يُلبسكَ إياها وينزعها عنك.

ولدتك أمّك يا ابن آدم باكيًا .. والناس حولك يضحكون سرورا

الوسط:
تكبر وتتعدد ألوان قطعة القماش وأشكالها في حياتك. الفقير يشتري قطعة رخيصة، الغني يشتري الحرير! الفقير عنده القليل والغني ما لا يحصى من القطع الملونة!

النهاية:
العمر حلّ ضيفًا علينا وانقضى. الناس من حولنا يتصارخون: أين قطعة القماش؟ هل عنده واحدة أم لا؟ قطعة قماش صفراء باهتة قيمتها ريالات، نلبسها أنت وأنا وكل الناس.

فاحرص على عملٍ تكون إذا بكوا .. في يوم موتك ضاحكًا مسرورا

تتشعب دروب الحياة بنا لكننا نلتقي في محطتين؛ ساعة الولادة ثمّ ساعة الممات. تتشابه الحكاية في بدايتها وفي نهايتها. قطعة قماش هي زبدة ما نحصل عليه من تعب الدنيا وشقائها. الواحد منا يملك الملايين في حياته وبعد منعطف الموت يعود فقيرًا معدمًا، من المحتمل أن يكون كفنه قطعة قماش صدقة عليه من عياله!

إذَا المرءُ لمْ يلبسْ ثياباً من التُّقَى .. تقلَّبَ عُرياناً وإنْ كانَ كاسِيَا

المباهاة بقطع القماش:
يقول الفقهاء في الأكفان: يستحب إجادة الكفن،فإن الأموات يتباهون يوم القيامة بأكفانهم ويحشرون بها.

الامام علي وقطعة القماش:
سئل الإمامُ علي عليه السلام: لم ترقع قميصك؟ لم لا تستبدله يا سيدنا؟ هذا القميص البالي! فأجاب:

"واللَّهِ لَقَدْ رَقَّعْتُ مِدْرَعَتِي هَذِهِ حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَاقِعِهَا، ولَقَدْ قَالَ لِي قَائِلٌ: أَلا تَنْبِذُهَا عَنْكَ؟! فَقُلْتُ: اغْرُبْ عَنِّي فَعِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى". لا! لن أستبدلها، ألا تعلمون أنني فوق كلّ ما في الدنيا من لباس؟

هذه الجملة لم يقلها أحد غير علي بن أبي طالب عليه السلام في الزهد والتخفف من الدنيا. لذلك هو من أكابر الذين قال عنهم الله سبحانه وتعالى: {عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ ۖ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا}. 

مدحه السيد الحميري ومما قال فيه:
ما لُفَّ في خِرَقِ القوابلِ مثلُهُ .. إلاّ ابن آمنةَ النبيُّ محمدُ


error: المحتوي محمي