12 , يوليو 2026

القطيف اليوم

راعي الأَوّله

قبل أيام كنت أتحدث مع ابني كُميل كعادتنا في أحاديث لا تخلو من سؤال أو فكرة. فالتفت إليّ قائلًا.. “دعني أختبر قدرتك… ما معنى راعي الأَوّله؟” لم يكن يدري أن سؤاله فتح بابًا في الذاكرة ظل مواربًا أعوامًا. وحين انتهى حديثنا أدركت أن الجواب لا تكفيه كلمات قليلة فكانت هذه المقالة.

الإنسان عندما يطرق بابًا بعد سنين ويقول.. “لن أنسى ما صنعت معي” يشعر أن الكلمات على صدقها تضيق بما في القلب. فهناك أيدي امتدت في وقت لم يكن أحد يمد يده ووجوه حضرت قبل أن تُنادى وقلوب أحسّت بالحاجة قبل أن تُذكر. تلك المواقف لا تمضي كما تمضي بقية الأحداث إذ أنّها  تستقر في أعماق الإنسان حتى تغدو المواقف الأولى ميزانه الحقيقي في معرفة الرجال.

العرب عندما قالت.. “راعي الأَوّله ما يلحق جزاه” لم يكونوا يتحدثون عن معروف يقابله معروف وإنما كانوا يصفون منزلة من سبق إلى الإحسان قبل أن يسبقه إليه أحد. من رأى الحاجة قبل أن تُقال وشعر بالوجع قبل أن يُشكى ومد يده قبل أن تُطلب.

هذا هو راعي الأَوّله.

فهو الذي تحركه مروءته قبل كل اعتبار فيعطي دون انتظار ويقدم دون حساب. ولهذا يبقى المعروف الأول مختلفًا عما يأتي بعده لأن المبادرة لا تشبه المكافأة مهما عظمت.

إذا ضاقت بك الدنيا فلن تتذكر كثرة الواقفين وإنما أول من وقف معك. وإذا انقطعت بك الحيلة فلن تستحضر كثرة الحلول وإنما أول قلب حمل همك. فالإنسان يحفظ البدايات لأنها تكشف معادن النفوس.

ولست أكتب هذا المعنى من فراغ.. ففي حياتي راعي الأَوّله ما زلت أحمل له من الامتنان ما تعجز عنه الكلمات.. أستاذي الفاضل العزيز أبو محمد عبدالواحد المزين الذي درسني الرياضيات في الصف السادس الابتدائي بمدرسة سلمان الفارسي ببلدتي القديح.

كانت الرياضيات بعيدة عن نفسي حتى جاء ذلك المعلم بقلبه قبل شرحه وباحتوائه وأبوته قبل درسه فتبدل شيء في داخلي… لم يعلمني الأرقام وحدها وإنما فتح بابًا إلى العلم كله.. علمني أن المعلم يصنع علاقة الطالب بالعلم قبل أن يصنع تفوقه فيه. وكلما عدت إلى تلك الأيام أدركت أن الذي بقي في نفسي لم يكن درسًا في الرياضيات وإنما أثر إنسان كريم. وسيبقى في ذاكرتي راعي الأَوّله في علاقتي بالعلم وصاحب فضل لا أرجو أن أنساه ما حييت.

ونحن نظن أحيانًا أن قيمة المعروف في حجمه مع أن سره يسكن توقيته فقد يكفي موقف واحد ليقيم في الذاكرة عمرًا كاملًا.

ولهذا يعجز الإنسان عن رد الجميل كاملًا. فالمعروف لا يحمل قيمة ما أُعطي وإنما يحمل صدق صاحبه ونقاء قصده وهذه خصال لا يمنحها إلا كرم النفوس.

ولعل أعظم شاهد على ذلك الوالدان.

مهما اجتهد الابن في البر يبقى يشعر أن الطريق أطول فكيف يجازي سهر الليالي وقلق السنين والدعوات التي سبقته في كل مرحلة من عمره؟ لذلك يظل البر محاولة صادقة لا تبلغ مقدار الفضل.

وفي حياة كل واحد منا راعي أَوّله.. قد يكون معلمًا أو صديقًا أو جارًا أو قريبًا أو غيرهم ممن حضروا في اللحظة التي لا ينساها العمر.

ومن المؤسف أن كثيرًا من الناس لا يعرفون قيمة رعاة الأَوّله إلا عندما يصبحون في موضع الحاجة فيدركون أن المبادرة خُلُق نادر وأن السابق إلى الخير يترك في القلوب أثرًا لا يمحوه الزمن.

وقد ينسى الإنسان وجوهًا وأيامًا وأسماءً كثيرة غير أنه لا ينسى أول يد وجدها حين عزّت الأيدي.

ذلك هو راعي الأَوّله… فضل لا يبلغه وفاء ولا يحيط به شكر.


error: المحتوي محمي