تمر على المجتمعات شخصيات قد لا تتصدر المشهد الإعلامي، ولا تبحث عن الأضواء، ولكنها تترك من الأثر في النفوس ما يجعل غيابها حدثًا يستوقف الذاكرة طويلًا، ومن تلك الرجال التي حفرت اسمها في وجدان أهالي القطيف عامة، وأهالي القديح خاصة، السيد عقيل بن السيد علوي الخضراوي، الذي ارتبط اسمه بالخلق الرفيع والعمل الصامت وخدمة المجتمع حتى غدا رحيله خسارة شعر بها الجميع.
لم يكن خبر وفاته خبرًا عابرًا، بل كان صدمة عمت البلدة، وخيم معها الحزن على المجالس والبيوت والمساجد والحسينيات، فالذي شهد يوم تشييعه رأى وجوهًا يغلب عليها الذهول، وعيونًا اغرورقت بالدموع، وقلوبًا تستعيد صفحات طويلة من الذكريات التي جمعتها بهذا السيد المؤمن، وكأن القديح بأسرها كانت تودع واحدًا من أبنائها البررة الذين عاشوا للناس أكثر مما عاشوا لأنفسهم.
السيد عقيل كان من أولئك الرجال الذين يصدق عليهم وصف “الجندي المجهول”، فلم يكن يسعى للشهرة، ولا ينتظر ثناء من أحد، وإنما جعل همَّه خدمة دينه ومجتمعه، مؤمنًا بأن خير الأعمال ما كان خالصًا لله تعالى، وكل من عرفه قد شهد له بحسن الخلق والتواضع والصدق والأمانة وسعة الصدر، حتى أصبح موضع احترام وتقدير بين أبناء القديح وغيرهم من البلدان على اختلاف مشاربهم.
لم يكن السيد عقيل مجرد قريب أو جار، بل كان بالنسبة إلى كثيرين أخًا أكبر وناصحًا أمينًا ووجهًا بشوشًا يبعث الطمأنينة في النفوس. أجل، جمعتني به صلة نسب وقرابة كبيرة، “ابن العمة” السيدة هاشمية خادمة أهل البيت عليهم السلام، وأيضًا علاقة اجتماعية متينة، فقد عرفته عن قرب، وعرفت فيه الإنسان الذي لا تفارق الابتسامة محياه، ولا يغيب التواضع عن حديثه، ولا يضيق صدره بأحد.
كان يحمل قلبًا واسعًا احتوى الجميع، فمن الشاب المتدين المحافظ إلى المراهق كثير “المشاكس” كثير الحركة، كان يتعامل مع الجميع بروح الأخ الكبير والأب الحاني، بعيدًا عن القسوة أو التعالي، لا ينظر إلى أي أحد باستعلاء، بل كان يجالس الشباب ويقترب منهم، ويمنحهم من احتوائه واحترامه ما يجعلهم يبادلونه المحبة والتقدير. نعم، وإذا استعصى أمر بعض الشباب على الناصحين، كان حضوره كفيلًا بأن تهدأ النفوس، وتطأطئ الرؤوس احترامًا له، ويستجاب لكلمته دون تردد، لما كان يتمتع به من هيبة مصدرها حسن خلقه ونقاء سريرته وصدق تعامله.
عاش السيد عقيل مؤمنًا بالله، محبًا للناس، يرى أن معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، مبتعدًا عن التحزبات والشللية والانقسامات الضيقة، فكان رجلًا للمجتمع بأسره، يجمع ولا يفرق، ويصلح ولا يفسد، ويحرص على بقاء المودة بين الجميع.
بدأت ملامح شخصيته تتشكل منذ سنوات صباه وشبابه الأولى، حين انخرط في الأنشطة الدينية والتعليمية، فكان من المشاركين في جماعة التعليم في مسجد السدرة بالقديح “الآن جماعة الهدى”، ثم لازم دروس العلامة الشيخ عباس العنكي في مسجد الإمام علي عليه السلام، ولم يكتف بالحضور، بل تطوع لتسجيل الدروس والمحاضرات العلمية، مثلما نقل لنا قبل الصلاة عليه سماحة الشيخ العنكي نفسه، سواء الدروس الليلية أو أبحاث يوم الجمعة، ثم ينسخها ويوفرها للراغبين في اقتنائها، ويجعل ما يحصل عليه من ريع هذا العمل دعمًا للتعليم في مسجد السدرة، مستمرًا في هذه الخدمة سنوات طويلة دون كلل أو ملل، ومحتسبًا الأجر عند الله سبحانه.
ولم تقف خدمته عند هذا الجانب، لكنه كان من المواظبين على صلاة الجماعة في المساجد، والحضور الدائم لمجالس أهل البيت عليهم السلام في الحسينيات، والمشاركة في المناسبات الدينية والاجتماعية والثقافية أفراحًا وأتراحًا، حريصًا على صلة الأرحام، وعيادة المرضى، ومواساة أهل المصاب، حتى أصبحت هذه الصفات جزءًا أصيلًا من شخصيته، وعنوانًا لسيرته بين الناس.
وقد حفظت ذاكرة المساجد والحسينيات كثيرًا من مواقفه وأعماله الخيرية، واحتفظت ذاكرة المجتمع بصورته وهو يبادر إلى كل عمل نافع بصمت وإخلاص، لا ينتظر شكرًا ولا مكافأة، ولا ينظر وراءه، متقدمًا سائرًا بالخير، ولهذا بقي اسمه حاضرًا في أحاديث المجالس عند الناس، كلما ذُكرت نماذج الرجال الذين عاشوا للخير وآثروا خدمة الآخرين على مصالحهم الخاصة.
ومن الذكريات التي أعتز بها شخصيًا، والتي تكشف جانبًا من شخصيته المشجعة والداعمة للعلم، ما ارتبط ببداياتي في طلب المعرفة، فقد كنت أحد الملتحقين بحلقات الدروس الدينية في مسجد الإمام الحسين عليه السلام بالقديح، حيث درست مباحث العقائد وأصول الدين، وبعد انتهاء إحدى الدورات تخرجت بمرتبة التفوق، ونلت جائزة ما زلت أحتفظ بها في مكتبتي الخاصة حتى اليوم، بوصفها شاهدًا على تلك المرحلة الجميلة من حياتي، والسيد عقيل من أكثر المشجعين لي على مواصلة طريق العلم والقراءة والكتابة، حتى دفعني ذلك التشجيع إلى كتابة كراس صغير عن العقائد، ثم تطور ذلك العمل إلى تأليف كتاب متكامل، وما انتهيت منه حتى ذهبت إليه وقدمته له قائلًا بخجل: سيدنا، اطلع على هذا، إنها بعض خربشاتي.
ولا تزال تلك اللحظة ماثلة في ذاكرتي، فقد رأيت في عينيه دهشة ممزوجة بفرحة غامرة، وكأن ذلك الكتاب من إنجازه هو لا من إنجازي أنا، احتفى به احتفاءً كبيرًا، وشجعني بكلمات صادقة كان لها بالغ الأثر في نفسي، وأسهمت في ترسيخ ثقتي بمواصلة طريق التأليف والبحث، ولم يكتف بذلك، بل عرفني بسماحة الشيخ محمد البناي (وكان آنذاك طالبًا في العلوم الدينية)، لتنشأ بيننا لقاءات وحوارات علمية أثرت مسيرتي الفكرية والثقافية.
السيد عقيل كان شديد الحرص على صلة الرحم، ويؤمن بأن الأسرة الممتدة هي أساس المجتمع المتماسك، وكان يحرص على أن يعرف أبناؤه أقاربهم، وأن تتوثق بينهم روابط المحبة، ومن المواقف التي لا تزال عالقة في ذاكرتي أنه اصطحب ابنه السيد محمد في إحدى الزيارات العائلية، ثم التفت إليه مشيرًا نحوي، وقال ضاحكًا بابتسامته المعهودة: (هذا حسن نسيبنا وقريبنا، “بس ترى لول كله اشلخه وكله كرتيه يلعب معي”)، بلهجته القديحية يمازحني، كانت عبارة بسيطة لكنها جسدت روحه المرحة، وبساطته، ودفء مشاعره، وما كان يحمله من محبة صادقة لأهله وأقاربه.
وعلى الصعيد العملي أمضى سنوات من حياته موظفًا في مجموعة العبد الكريم، وهناك أيضًا ترك الانطباع نفسه الذي عرفه به أبناء بلدته، وشهد له زملاؤه والمتعاملون معه، سعوديين وغير سعوديين، بالنزاهة المطلقة والصدق في التعامل والأمانة في أداء المسؤولية، حتى اكتسب احترام الجميع وثقتهم، وهي شهادة تكررت على ألسنة من عرفوه في بيئة العمل كما في المجتمع.
ولعل من أبرز ما رافق رحيله ذلك السيل الكبير من المقالات والخواطر والمراثي التي كتبها محبوه وأصدقاؤه، فقد تنافس كثير من أصحاب الأقلام في توثيق شيء من سيرته، واستحضار مواقفه الإنسانية، واستذكار أعماله الخيرة، حتى غدت تلك الكتابات سجلًا اجتماعيًا يوثق مرحلة من تاريخ القديح، ويعكس المكانة التي احتلها السيد عقيل في قلوب الناس، ومن الصعب حصر أسماء من كتبوا عنه، إذ إن كثرتهم خير شاهد على حجم المحبة التي نالها في حياته وبعد وفاته.
أما التعليقات التي رافقت تلك المقالات فلم تكن أقل قيمة من النصوص الأصلية، بل تحولت إلى شهادات حية أضاف أصحابها تفاصيل وذكريات ومواقف عاشوها معه في المسجد أو في العمل أو في الحياة الاجتماعية، نعم، شكلت جميعها أرشيفًا شعبيًا ثريًا يوثق سيرة رجل لم يكن حضوره عابرًا، بل كان جزءًا أصيلًا من ذاكرة مجتمع كامل.
ولعل مما يدعو إلى التأمل أن كثيرًا من هذه الكلمات لم تُكتب إلا بعد رحيله، وقد يتساءل القارئ: لماذا لا نعبر عن تقديرنا لمن نحب وهم بيننا؟ ولماذا لا نذكر مآثرهم في حياتهم قبل أن يتحولوا إلى ذكريات؟!
إنها طبيعة البشر، ربما تشغلهم تفاصيل الحياة، ثم يفاجئون بالرحيل، فيكتشفون مقدار ما كان للراحل من أثر في حياتهم، ولعلنا جميعًا مقصرون في هذا الجانب، وكان الأولى بنا أن نوثق سيرة السيد عقيل، ونشيد بفضله، ونثني على أعماله وهو بيننا، غير أن ما يكتب اليوم هو محاولة صادقة للوفاء، وتسجيل شيء من سيرة رجل عاش مؤمنًا مستقيمًا نافعًا لمجتمعه، فاستحق أن يبقى ذكره حيًا بعد رحيله.
إن الحديث عن هذا السيد هو حديث جيل عاش مرحلة مهمة من تاريخ القديح، شهدت تحولات اجتماعية وفكرية متعددة، وكان هو واحدًا من أبناء ذلك الجيل الذين تعاملوا مع تلك المتغيرات بعقل متزن وسيرة مستقيمة، بعيدًا عن الصخب والجدل، محافظًا على علاقاته الطيبة مع الجميع، ومتمسكًا بقيم الاحترام والعمل والإخلاص وخدمة المجتمع.
لقد خسر المجتمع برحيله شخصية اجتماعية تركت بصمتها في ميادين متعددة، وأسهمت في خدمة الناس، وغرست قيمًا نبيلة امتد أثرها لعقود، ومهما تعاقبت السنوات فإن أمثال هؤلاء الرجال لا يغيبون عن الذاكرة؛ لأن ما يتركونه من أثر يبقى حيًا في النفوس، تتناقله الأجيال جيلًا بعد جيل، ولئن غاب السيد عقيل بجسده فإن سيرته بقيت حاضرة في ذاكرة القديح، تتناقلها المجالس وتحفظها القلوب، لتكون شاهدة على أن الإنسان لا يخلد بما يملك، وإنما بما يقدمه من خير، وما يزرعه من محبة، وما يتركه من أثر طيب بين الناس.
رحم الله السيد عقيل أبا السيد محمد، وجزاه خير الجزاء على ما قدم من خدمة لدينه ومجتمعه، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وجعل سيرته الطيبة نبراسًا للأجيال القادمة، وحشره مع أجداده الطاهرين، فما زالت ذكراه باقية في القلوب، وما زالت مواقفه الكريمة شاهدة على أن الرجال العظماء لا يخلدهم المنصب ولا المال، وإنما يخلدهم حسن الخلق، وصدق العمل، وخدمة الناس، والأثر الطيب الذي يتركونه في حياة من عرفوهم.



