قال تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا), ظاهر الآية الشريفة ان الدنيا دار بلاء وابتلاء وامتحان, فإذا ما ضاقت بك الدنيا، وتراكمت عليك الهموم، وأخذ الشيطان الخناس يوسوس في قلبك بأنك من أكثر الناس مصيبة، وأشدهم بلاء، فلا تُسلِّم له زمام امرك. فالشيطان لا يسعى دائمًا إلى أن يدعوك إلى المعصية الظاهرية، فحيله ومكره واساليبه متنوعة, وهو يمتهن كيفية الغواية للجاهل والعالم و"المطوع" و"الداشر", على حد سواء. فيكفيه مثلا بأن يقنعك بأنك محروم، وأن الحياة (الله) لم تُنصفك، حتى يستل منك سعادة الرضا قبل أن يسلبك باقي البركات الأخرى. وحالة الضعف النفسي هذه غالبا ما تطرأ علينا في لحظات الانكسار والمصائب, حيث يخيل اليك ابليس الرجيم بان ما انت فيه من مناخ مثقل بالحزن والغبن هو واقع عليك انت وحدك دون باقي ال 8 مليارات من العالم. فيتضاءل عندها في نظرنا كل ما نملك من مال وصحة وجاه، وتتعاظم بدلا من ذلك أدني خسارة، حتى نكاد ان نغفل عن الحقيقة الجلية بأن الله ما زال يغمرنا بعطاياه ونعمه التي لا تُحصى (وان تعدوا نعمة الله لاتحصوها).
لذلك، قبل أن تفكر بجرد ما قد فقدت للتو، استعذ بالله من الشيطان الرجيم, وانظر الى الجزء المملوء من الكاس, و"بلش" في انشاء قائمة بالنعم التي انت مغمور بها حتى أخمص قدميك. فانت ما زلت حيًا ترزق، قلبك ينبض، رئتاك تتنفسان، عيناك تبصران، أذناك تسمعان، لسانك ينطق، وعقلك يفكر، وقدماك تحملانك الى حيث تشاء بكل حرية واختيار ونشاط. انت قادر على ان تقرأ هذه السطور وتستوعب رسالتي, فتوقف هنيئة وقل (الحمد لله رب العالمين). كم من إنسان غيرك يتمنى ولو لبرهة قصيرة من الزمن لو انه يحصل على نعمة واحدة مما انت فيه من رفاهية مستمرة. الفارق واحد وكبير بينكما, وهو أنك للأسف لا تلتفت إلى هذه العطايا لجهة أنك قد الفتها, فتبلد احساسك بعظمتها.
انظر الى هذه الآية في ربطها بين الصبر والشكر ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾. الصبر على المصيبة بنفس القدر والاهمية من الحمد على النعمة. الصبر يحفظ رباطة جأش المبتلى وقتما تُسلب منه النعم، بينما الشكر يستبقيه على طريق الهدى عندما تكون النعم متدفقة بين يديه. ومما هو مسلم به ان الحياة لا تخلو من تقلبات واوجاع، ومن ضيقٍ وسعة، وعليه فان المؤمن الحقيقي هو ذلك الذي يصبر على البلاء، وبنفس المستوى يشكر في السراء. تذكر يا صديقي ان الحمد الحقيقي ليس مجرد لقلقة باللسان، بل هو طريقة ايجابية لرؤية العالم من حولك، وعدسة مبتسمة تجلي وتبرز ما أخفته العادة والالفة والتبلد من نعم الله التي تحوط بك. فمن اعتاد البركة نسيها، بينما على الجانب الاخر من تأملها وعددها وقدرها ازداد قربًا وتمننا من المتفضل الحنان.
ومن أروع ما يبين منزلة الشكر ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام «الطاعم الشاكر له من الأجر مثل أجر الصائم المحتسب، والمعافى الشاكر له من الأجر كأجر المبتلى الصابر، والغني الشاكر له من الأجر كأجر المحروم القانع». هذه الرواية تعيد ترتيب المراتب؛ فليس كل فضل هو مرهون بالابتلاء فقط، بل قد يبلغ الإنسان منزلة المبتلى الصابر وهو يتمتع بأعلى منازل الصحة والعافية، وذلك لأنه إذا عرف قدر الهبة الالهية لم يغفل عن شكر واهبها. فالمرض مثلا امتحان، ولكن الصحة بالمقابل هي اشد اختبارا لنا انشكر ام نغفل عن الحمد, وكذلك الحال في الفقر والغنى. تأصيلا على ذلك فان الامتنان للمانح الوهاب هو اول ما نبدأ به صلاتنا اليومية, وهذه العبادة تحتاج منا الى ان نترقى في وعينا ووجداننا من درجة كون الصلاة "عادة" يومية الى مرتبة "العبادة" الحقيقية الواعية. عندها فقط سنصبح قادرين على مقاومة أخطر أمراض النفس المتمثلة في الاعتياد على النعمة حتى تصبح كأنها حق مكتسب لنا, بينما الواقع ان كل هبات الله علينا ما هي الا تفضل منه بغير استحقاق منا عليه سبحانه.
واما ما يخص جنبة الصبر, قد جسّد الإمام الحسين عليه السلام الجلد في أسمى صوره يوم عاشوراء. فقد نقل أهل المقاتل أنه كلما اشتد به البلاء، ازداد وجهه تهللًا وإشراقًا، حتى لقد تعجب كل من كان حوله من سكينته وهدوئه وسط ذلك الطوفان من المصائب العظام. ومرد ذلك ليس لأنه مختلف عن باقي البشر فلا يحس بالآلام والاوجاع والاحزان، بل لان حضوره في ساحة القدس واندكاكه فيما يحبه الله وذوبانه فيما يقربه من الله, قد جعله ينشغل عن الاحزان بذكر الله وحمده, فيتهلل وجهه نورا. كان يرى أن البلاء في سبيل الحق هو عين الطريق إلى الكمال، وليس ثمة سببا للانكسار. وبهذا يعلّمنا المولى الحسين عليه السلام أن الرضا ليس دليلا على الراحة الجسدية، وانما هو من أعظم مظاهر الإيمان، حين ينبع من قلب فاض يقينًا بأن رحمة الله أعظم من كل شدة، وأن ما عند الله هو خير وأبقى.
تأملا عزيزي وعزيزتي الكريمين فيما بدأ العلم الحديث يستكشف من بعض آثار الإقرار بالامتنان. فالدراسات النفسية تشير إلى أن استحضار النعم وممارسة الشكر يخففان من التوتر، ويزيدان من القدرة على مقاومة الضغوط النفسية، ويحسنان من الصحة السيكولوجية والجسدية للفرد. إنها سنة إلهية قبل أن تكون حقيقة علمية؛ فالنفس التي تتغذى على الحمد لا تستسلم لليأس بسهولة، لأنها ترى في كل يوم أبوابًا من العطاء قد لا يلتفت اليها غيرها من الناس. وأعظم تلك الهدايا أنك ما زلت ثابت القدم راسخا مستمسكا بحبل الله المتين وصراطه المستقيم. انت ولله الحمد والمنة على ذات صراط الحق, صراط الذين أنعم الله عليهم. بهم عرفت ربك، وفهمت كتابه، فأحببت أولياءه، وبذلك ترجو بشفاعتهم رحمته ورضوانه. هناك الكثير ممن خالفوك النهج وان كانوا قد ملكوا الدنيا بما فيها، الا انهم فاقدون للطريق السوي الى سبل السلام والراحة الأبدية والخلود الذي لا ينقطع.
ختاما, فإذا ما ضاقت بك الأيام، فلا تجعل أول كلماتك الشكوى والتذمر والتأفف، بل على العكس توقف للحظة وكرر الحمد لله. ثم قم باستعراض سريع لنعم الله في نفسك وأهلك ودينك وفي مستقبلك الذي هو بيد الله وبمشيئته. ستجد أن همومك مهما بلغت عددا وعدة, الا انها واقعا كنقطة في بحر من البركات، وأن ما اصابك هو مس من ابليس الذي كان يحاول أن يشغلك بطرفة الألم حتى تنسى المحيط المتلاطم من النعم الإلهية من حولك. فاحمدِ الله… ثم ابتسم. فابتسامتك بعد الشكر بعيدة كل البعد عن محاولة إنكار الواقع، انما هي إعلانٌ بأن ثقتك بالله أكبر مما ينغص عليك عيشك ويقلقك، وأن هباته أكثر مما قد يجول بخلدك، وأن من عرف الواهب فقد هانت عليه مصاعب الدنيا ونكباتها.



