29 , يونيو 2026

القطيف اليوم

قصي.. سيرة خدمة إنسان

لكل عِشرةٍ طيبة أيامٌ ولها نهاية، ولكن للذكريات مواعيدٌ لا تنتهي، ومع فقد الأحبة واحدً تلو آخر تؤثر أبكار المعاني أن تكتبَ نص يُعزي فيه الأخ أخيه والصديق صديقاً أوقعته الأيام في قبضة الموت.

“أبو شيماء”.. هكذا كان الحاج قصي هجلس ـ رحمه الله ـ يُحب أن يناديني أينما وجدني، فأرد عليه: “هلا أبو حميدة” وتبدأ بيننا البسمة والمزحة التي نستأنس بها منذ سنين طويلة.

فمنذ أن كنتُ شابًا يافعًا عرفته خادمًا مخلصًا في خدمة الإمام الحسين عليه السلام في مسجد الوارش بالقلعة، وكان معروفًا بتوزيع البركة (الإطعام) على المستمعين والمعزّين، واستمر على ذلك متنقلًا سنوات طويلة بين المساجد والحسينيات والمضائف، ساعيًا إلى الخدمة الحسينية، ومشاركًا المجتمع أفراحه وأحزانه.

حيث كان أبو سجاد حريصًا على التواصل الاجتماعي، متصفًا بالبساطة والبشاشة مع الجميع، بل إن أكثر ما كان يضايقه أن تفوته مناسبة أو لا يعرف عنها، فلا يكون حاضرًا و مؤديًا ما يراه واجبًا عليه.

ومن هنا نعرف بأن قصي كسب وجاهته من خدمة الامام الحسين عليه السلام، ومساعدة الناس والتواصل المباشر معهم، فقد كان يخدم بصمت بعيدًا عن الأضواء والصدارة، ولم يكن يومًا طالبَ شهرةٍ أو صاحبَ مظاهر أو تصنع، ومع ذلك شاهدنا تشييعه المهيب الذي أقل ما يُقال عنه تشييع العلماء كشاهدًا على أن الأثر الصادق لا يصنعه الظهور، بل تصنعه المحبة التي يزرعها الطيبون في القلوب.

الذكريات مع أبي سجاد كبرنا معها وتربينا في رحابها، سواء في مسجد الإمام الحسين عليه السلام (الوارش)، أو في موكب ومضيف أمير المؤمنين عليه السلام بالقلعة، أو في الحسينية الفاطمية بباب الساب، وغيرها من مواقع الخدمة والعطاء.

ومن أجمل ما أستحضره من الذكريات ما عشناه سويًا جنبًا إلى جنب في مسجد السيد الخوئي "قدس سره" بحي البستان، حيث كنا نحضر في كل ليلة جمعة الصلاة جماعة مع سماحة الشيخ الوقور حسام سلاط حفظه الله، ونستمع إلى دعاء كميل، وأستذكر هنا بعض الطيبين الذين افتقدناهم، أمثال الحاج المؤمن المرحوم أبوحسين البيات، والجار الخيّر المرحوم أبوشفيق شروفنا، حيث كان قصي "أبو حميدة" دائمًا يرسم لهم ولنا الابتسامة بتعليقاته العفوية التي تنبع من جمال روحه وصفاء سريرته.

قصي في يقيني، لم يستعجل الرحيل بقدر ما استعجل ـ كعادته ـ اللحاق بخدمة أبي عبدالله الحسين عليه السلام، فخلال أيامه الأخيرة كانت إصابته في رجله قد تُعيقه وتؤثر على خدمته الحسينية هذا العام، ولم يكن ممن يحتملون التقصير في هذا الشرف الذي عاش له وأفنى عمره فيه.

فهو الذي كان يُسارع في كل محرم منذ الصباح الباكر متنقلًا بين مسجدٍ وحسينيةٍ ومضيف، ليُسجل بصمة في ميادين الخدمة والعطاء، لذا قد حرص في هذا المحرم 1448هـ ، أن يسبق الجميع، ليكون ـ بحول الله ورحمته ـ حاضرًا في خدمة و ضيافة من تولاهم وأحبهم، وعاش عمره متمسكًا بولائهم، النبي محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.

رحمك الله يا أخي الطيب سنفتقدك في كل موقع جمعنا، وفي كل خدمة تقاسمناها، وفي كل ابتسامة صادقة كانت تسبق كلماتك، وستبقى ذكراك الطيبة حاضرة في كل مجلس ينبض بحب الامام الحسين عليه السلام.

هامش : حميدة هي الزوجة المؤمنة للحاج قصي ـ رحمه الله ـ ومنها اشتهر بين محبيه بـ "أبو حميدة" لأنه كان ينادي أحبابه بأسماء زوجاتهم أو أمهاتهم، في لفتةٍ اجتماعيةٍ عفوية تعكس قربه من الناس وألفة حضوره بينهم.


error: المحتوي محمي