في العام المنصرم رزقني الله تعالى مجاورة الأئمة، سلام الله عليهم، في شهر رمضان المبارك. كنت أقضي فترة ما بعد الإفطار في حرم مولانا أمير المؤمنين، وفي ثنايا الأيام التقيت بامرأة جليلة الشأن، يعلوها الوقار، وتحفّها المهابة.
جمعني بها الله تعالى في حضرة الإمام.
سألتها: هل أنت زائرة مثلي؟
أجابتني بأنها حضرت منذ شهر مع زوجها، لأنه أستاذ حوزوي يدرّس ويحاضر في الوقت نفسه، وهو أمر اعتادت عليه، فزوجها درس في النجف وما زال بين الحين والآخر يعاود الدراسة والبحث.
وكانت في أغلب الأحيان تحاول تغيير مجرى الحديث عندما نتحدث عن حياتها الشخصية، فاحترمت كثيرًا رغبتها، وأصبحت وأمسيت أجلس معها نتبادل الأحاديث الرمضانية، ونحفظ الأوراد. كانت ترشدني بحكم خبرتها، وأنا بدوري أفهمها جيدًا، وأرتشف من نبع حديثها ارتشاف العليل للدواء.
حقًا إنها الحياة تهبنا ترجمان نفوسنا أحيانًا، فنسعد بلقاء البعض من الناس، حتى لو كان اللقاء عابرًا.
أصبحت هذه المرأة تترجم جميع ما تراه مكتوبًا على صفحة وجهي قبل البوح به.
ذات يوم سألتها عن مسألة شرعية تخص قطع المسافة إلى مسجد الكوفة، فقالت لي:
«سوف أسأل زوجي عن ذلك ليطمئن قلبك».
فقلت لها:
هل زوجك لديه الخبرة الكافية والدراية التامة بمثل هذه المسائل؟
أجابتني:
«ليطمئن قلبك، نعم، له باع طويل في مثل هذه المسائل».
كان حديثها يوحي بتمام الثقة وثقل الفهم بجوهر الدين.
وفي اليوم التالي جاءتني مستبشرة، مفرداتها شعر، وتقاسيم وجهها بيان على ما تريد قوله، قالت لي:
«المسألة جدًا بسيطة كما أخبرتك».
أوضحت وشرحت المسألة شرحًا وافيًا كرجل دين.
شكرتها كثيرًا وقلت لها:
ولكن من يكون زوجك؟
قالت لي:
«حتى يطمئن قلبك، فزوجي هو …..».
بحق كانت مفاجأة كبيرة، قلت لها مندهشة:
ولماذا لم تفصحي عنه منذ بداية الأمر؟!
أجابتني بحياء:
«أريدك أن تعامليني بعيدًا عن هالة زوجي المعروفة عند الجميع، بعيدًا عن الرسميات والمناصب الدينية».
أدهشتني كثيرًا بتواضعها الجم، ولين جانبها، وإلمامها بالدين دون بهرجة وشهرة دينية، على الرغم من أنها زوجة رجل الدين المعروف عندنا في القطيف، وصاحب المكانة المرموقة والوجهة الاجتماعية المتميزة.
كان وداعي لها حارًا عندما غادرت النجف متجهة إلى كربلاء، قلت لها:
«أنتم خير من يمثل النهج النبوي، وزوجك أفضل من يعتلي المنبر الحسيني، بلا ثرثرة ألسن ولا تصنع مبادئ».
أدركت أن الدين هو تغلّب النور على الظلام بداخلنا، وأن فهم الدين الجيد إنما ينعكس على أهله؛ فإذا نجح رجل الدين في إخراج مثل هذه المرأة نموذجًا مشرّفًا للمرأة المسلمة، والزوجة الصالحة، فقد نجح أن يكون خطيبًا حسينيًا يجذب إليه مختلف الطبقات الاجتماعية في مجالسه الحسينية.
أما الذين يحاولون أن يلتصقوا بشهرة ذويهم الدينية أو العلمية أو الاجتماعية، فالفائدة تكاد تكون محدودة جدًا، والفارق كبير، إلا إذا اقترن ذلك بالعمل الجاد.
هكذا يبني المنبر الحسيني أفراده، فلا عجب أن تكون هذه المرأة زوجة رجل الدين المعروف في منطقة القطيف، والذي يعرفه الجميع في القطيف والخليج معًا، حفظه الله وأطال عمره في خدمة دينه وأبناء وطنه.
ربما أنعش ذاكرتي، وحذاني لكتابة هذا المقال بعد مضي عام، عندما رأيت ابنتي متعبة ولم تخرج للمنزل، واكتفت بالاستماع لهذا الخطيب وهي تقول:
«موضوعاته يا أمي هادفة جدًا».
قلت لها:
«أجل، فحلاوة الخطاب، وبراعة الخطيب في اختيار موضوعاته، في وقت إعلامي عظيم مثل هذا الوقت، تجعلنا نقف إجلالًا لطرحه الحسيني، فهنيئًا له بمكانته العلمية وعلو كعبه في الميدان الحسيني».



