27 , مايو 2026

القطيف اليوم

سيرة ذاتية لإنسان!

هذا الإنسان الذي بين يديكَ له سيرة ذاتية مختلفة عن بقية المخلوقات. أكثر الحيوانات تولد وتذهب شأنها إلا الإنسان، من أغرب المخلوقات، له سيرة ذاتية مختلفة جدًّا. تعال ننظر في السيرة ذاتية للإنسان، أي إنسان:

تحمله أمه تسعة أشهر في بطنها، تعب في تعب وكَبَد في كبد. يولد لا يمشي، لا يتكلم، لا يفهم، لا يقوم بأي عمل من أعمال الكبار ولا يستطيع الدفاع عن نفسه.

طوال عام - أو أكثر - يرضع من لبن أمه، لا يقوم بأبسط واجبات الطبيعة الإنسانية. يلعب ويزعج ويسقط حتى يصلَ إلى سنّ الفتوة، يأخذ في القوة لا تستطيع أن تملكه، يتعلم سنوات وربما كل سنوات التعليم لا تهذبه ولا تجعل منه إنسانًا مستقيمًا.

سنوات طفولة وصبا ورجولة وشيخوخة، قد لا تتجاوز كلها سبعين أو ثمانين عامًا يصول ويجول. القليل من الناس يتوق إلى العلو والارتقاء والكثير منا لولا ما نتركه من خراب، نعيش ونموت والكون لا يدري جئنا أم لم نجيء! 

{إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}. المخلوقات العظيمة التي هي أعظم من خلق الإِنسان لم يحملن الأمانة إنما حملها الإنسان "إنه كان ظلوماً جهولاً".

من أعظم المخلوقات، يعيش حياةً فعالة قد لا تتجاوز خمسين سنة، لكنه في خمسين سنة إما يبث الحياة ويعمر الدنيا إذا أطاع الله سبحانه وتعالى، أو إذا استمع إلى الشيطان يبث الخراب. هذا الإنسان يأتي إلى الحياة على الفطرة مثل صحيفة الورق البيضاء طاهرًا نقيًّا ثمّ هو باختياره إما يسود الصحيفة أو يزيدها بياضًا. 

يأتي الله سبحانه وتعالى فيقول: يوجد في الكون خير وشرّ، إيمان وكفر، ثم هناك جنة أو نار ولك أن تختار! {إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}، هذا الطريق واضحٌ أمامكَ تراه فاختر إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً. لا تنسى أنك سوف تتحمل عاقبة اختيارك.

من الناس من يعيش حياةً طيبة ويموت ميتة طيبة؛ هؤلاء مختلفون عرفوا معنى الحياة. طوبى لمن يحيا حياة طيبة ويموت ميتة طيبة، يعمر الدنيا بالعطاء والإيمان. وصفهم الإمام علي عليه السلام:

فَالْـمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ: مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ، وَمَلْبَسُهُمُ الاقْتِصَادُ، وَمَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ. غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَـهُمْ. نَزَلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلاَءِ كَالَّتِي نَزَلَتْ فِي الرَّخَاءِ. وَلَوْلَا الأجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِم لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ، شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ، وَخَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ. عَظُمَ الْـخَالِقُ فِي أنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ، فَهُمْ وَالْـجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ.

إذا أنتَ لم ترحل بزادٍ من التقى * ولاقيتَ بعد الموتِ من قد تزودا
ندمتَ على ألا تكونَ كمثلهِ * وأنك لم ترصد كما كان أرصدا


error: المحتوي محمي