20 , مايو 2026

القطيف اليوم

حب نفسك ودللها ولكن ؟

في كل دائرة اجتماعية تقريباً، هناك شخص تعرفه المجموعة جيداً، ليس لأنه سيئ الأخلاق، ولا لأنه بخيل أو مؤذٍ، بل لأن لديه عادة ملفتة للنظر، لا تخطئها العين ،  وهي التسابق و حب الامتياز! ، تراه دائماً يجتهد و يبحث عن أفضل مكان، وأفضل مقعد، وأفضل قطعة، وأقرب فرصة تمنحه الأفضلية قبل الآخرين ، في الحفلات يصل مبكراً ليختار ما يناسبه، وفي السفر يجلس في المكان الذي يريده، وعند الطعام تمتد يده قبل الجميع، وكأن داخله يقول دائماً
"أنا أَوْلَىَ.”

   ⁃    محبوب .
المثير للاهتمام أن هذا النوع من الأشخاص ، يكون في جوانب كثيرة محبوباً وناجحاً ، كريم… مبادر… أنيق… صاحب حضور… خفيف ظل… صاحب ضحكة ، يملك حياة مستقرة ومريحة أكثر من غيره ، لكنه رغم كل ذلك، يحمل صفة ماأدري ويش أقول عنها ( مزعجة) !  تجعل بعض من حوله يشعرون بشيء من الضيق الصامت ، يدلل نفسه، وأحياناً على حساب الآخرين.

   ⁃    استحواذ .
المشكلة ليست في حب الإنسان لنفسه، فحب الذات الطبيعي مهم، ويمنح الإنسان ثقة وتوازناً واهتماماً بنفسه وصحته وكرامته ، لكن المشكلة حين يتحول هذا الحب إلى استحواذ غير معلن، وإلى شعور داخلي دائم بأن الأفضل يجب أن يسحب ويجير له ، ومن الأمثلة التي تكشف هذه الصفة بوضوح، ما يحدث أحياناً في الأعمال الاجتماعية ، فبينما ينشغل الجميع بالخدمة والتعب والتنظيم، تجد بعض الأشخاص يملكون قدرة عجيبة على قراءة المكان ومحتوياته وصلاحياته ، وكيف الاستفادة من كل الخدمات المحيطة بهم ، يختار الأفضل، ويحجز مكانه مبكراً، ويأخذ نصيبه وربما أكثر، وكأن كل ما حوله حق مكتسب له قبل غيره.

   ⁃    متذاكي .
المشكلة هنا ليست في الذكاء أو سرعة التصرف، بل في طريقة التفكير نفسها ، حين يتحول العمل الجماعي إلى مساحة غير معلنة للبحث عن المكاسب الشخصية الصغيرة ، وهذه الصفة لا تظهر فقط مع الأصدقاء أو في المجالس العامة، بل قد نجدها حتى داخل البيت الواحد ، فبعض الإخوة مثلاً يعتاد دائماً على أخذ الأفضل، أو الاستفادة الأكبر، أو الراحة الأكثر، دون أن يشعر أنه يرهق الآخرين أو يضيّق عليهم ، ومع التكرار، تصبح هذه التصرفات مألوفة للأسرة حتى تتعامل معها بالصمت والتجاوز حفاظاً على الهدوء والمحبة ، ومن المواقف اللافتة أيضاً، ما يحدث أحياناً في غرف المعلمين أو بيئات العمل الجماعية ، فعند اجتماع الزملاء على وجبة إفطار مثلاً، قد يظهر شخص يحمل هذه الصفة نفسها، يحاول أن يأخذ الأفضل أو يبدأ قبل الجميع أو يختار ما يناسبه أولاً ، لكن المثير أن هذه السلوكيات غالباً لا تستمر كثيراً في بيئات العمل.

   ⁃    والسبب بسيط !!!
أن العلاقات المهنية تختلف عن العلاقات العائلية أو الصداقات الطويلة ، ففي المدرسة أو العمل، الجميع زملاء، ولا أحد يشعر بأنه مضطر لمجاملة الآخر أو الصبر على تصرفاته حفاظاً على علاقة عميقة أو قرابة اجتماعية ، لذلك يجد هذا الشخص حدوداً واضحة أمامه، فيخف اندفاعه تلقائياً، أو يتراجع سلوكه حين يشعر أن الآخرين لن يتقبلوا هذا الاستحواذ بسهولة ، ولهذا نلاحظ أن هذه النماذج تكون أقل ظهوراً في بيئات العمل المنظمة، لأن وجود الأنظمة، وتساوي العلاقات، ووضوح الحقوق، يجعل مساحة الاستغلال أو الاستحواذ أضيق بكثير.

   ⁃    هل يعرف .
الغريب أن أصحاب هذه الصفة غالباً لا يشعرون بأنهم يفعلون شيئاً خاطئاً ( ويش سويت أنا) ، لأن الأمر بالنسبة لهم أصبح سلوكاً تلقائياً، يمارسونه بخفة وضحك ومزاح، حتى إنهم أحياناً يمررون تجاوزاتهم بروح مرحة تجعل المواجهة محرجة للآخرين ، ولهذا تجد المحيطين بهم يتغافلون كثيراً ، ليس اقتناعاً بالسلوك، بل حفاظاً على العلاقات، وتجنباً للصدام، واحتراماً للعِشرة الطويلة ، فالناس أحياناً تختار السلام الاجتماعي على الدخول في معارك تافهة صغيرة لا تستحق أن تفسد الود ، لكن الحقيقة التي قد لا ينتبه لها هذا الشخص ،  أن الجميع يعرف هذه الصفة عنه ، قد لا يقولونها أمامه مباشرة، لكنهم قد يتهامسون بها ،  أو يتحدثون عنها في غيابه، ويتوقعونها منه في كل مناسبة، حتى تصبح جزءً ثابتاً من صورته الاجتماعية ، فإذا دخل مجلساً توقعوا أنه سيختار المكان الأفضل، وإذا حضر الطعام توقعوا أنه سيبدأ أولاً، وإذا ركبوا معه توقعوا أنه سيجلس حيث يريد هو ، ومع الوقت، تتحول خفة الظل والكرم والأناقة إلى صفات لا تكفي وحدها لتغطية أثر الأنانية الصغيرة المتكررة ! فالناس لا تتذكر فقط ماذا تملك ! 
بل تتذكر أيضاً ، كيف جعلتها تشعر.

   ⁃    المطلوب . 
أجمل الشخصيات ليست التي تأخذ الأفضل دائماً، بل التي تترك (أحياناً)  الأفضل لغيرها بمحبة وتلقائية ، الإنسان الراقي لا يظهر فقط في أناقته أو كرمه أو حضوره، بل يظهر أيضاً في قدرته على مراعاة الآخرين، والشعور بحقوقهم النفسية الصغيرة، تلك التي لا تُقال لكنها تُحس ، وفي النهاية، تبقى العلاقات الإنسانية قائمة على الذوق قبل الأنظمة و القوانين، وعلى الإحساس قبل الكلام ، فبعض التصرفات قد تبدو بسيطة لصاحبها، لكنها تتكرر حتى تصبح علامة واضحة يقرؤها الجميع بصمت، ويتجنبون الحديث عنها ، احتراماً وتغافلاً  ! لا اقتناعاً.


error: المحتوي محمي