19 , مايو 2026

القطيف اليوم

رائحةٌ لا يراها أحد

في صباحٍ دراسيٍّ هادئ… كان الطلاب يجلسون في مقاعدهم كعصافير صغيرة تنتظر بداية اليوم، والفصل يغفو على أصوات الكتب وتقليب الصفحات.
فجأة… توقّف المعلّم عند أحد الطلاب، اقترب منه قليلًا، ثم قال بنبرةٍ امتزج فيها الاستغراب بالحزم:
— أشمّ منك رائحة دخان!
ارتبك الطالب… تجمّدت ملامحه، وارتعشت الكلمات على شفتيه، ثم قال بصوتٍ خافتٍ يخالطه الخوف:
— لا يا أستاذ… أنا لا أدخّن.
لكن المعلّم أصرّ على رأيه، كانت رائحة الدخان عالقةً بملابسه كأنها شاهدٌ صامت لا يرحم.
أُخذ الطالب إلى المرشد الطلابي… جلس أمامه منكسر النظرات، كأنّه يحمل تهمةً أكبر من عمره.
سأله المرشد بهدوء: — قل لي بصراحة… هل تدخّن؟
رفع الطالب رأسه قليلًا، وقال بثقةٍ ممزوجة بالألم: — لا… والله لستُ مدخنًا.
قال المرشد: — لكن رائحة الدخان واضحة في ملابسك.
ساد الصمت للحظات… لحظاتٍ كانت أثقل من الكلام نفسه.
ثم تنهد الطالب وقال بصوتٍ موجوع:
— أبي مدخن… ولستُ أنا. كل ما في الأمر أن رائحة الدخان التصقت بملابسي… فما ذنبي أنا يا أستاذ؟
في تلك اللحظة… لم تعد القضية مجرد رائحة دخان، بل أصبحت حكاية طفلٍ يحمل آثار عادةٍ لم يخترها بنفسه.
اتصل المرشد بوالد الطالب.
وحين حضر الأب… وجد ابنه جالسًا، مطأطئ الرأس، وكأنّ العالم كلّه يتهمه.
اقترب الأب بغضب، وقال: — ماذا فعلت اليوم؟
رفع الابن عينيه بحزنٍ يشبه الانكسار، وقال: — أنا متهم بالتدخين يا أبي…
اشتعل غضب الأب، وكاد يمدّ يده على ولده، لكن المرشد أوقفه قائلًا:
— لحظة… لا تتعجل. أنا أعلم أن ابنك لا يدخّن، لكن رائحة التدخين التصقت به… وأنت السبب.
ساد الصمت في الغرفة…
ثم تابع المرشد حديثه بنبرةٍ عميقة:
— أنت لا تنفث الدخان في الهواء فقط… بل تفتح بابًا في عقل ابنك وقلبه. اليوم التصقت الرائحة بملابسه، وغدًا قد تلتصق الفكرة بعقله، ثم تتحوّل العادة إلى تقليد.
وأضاف وهو ينظر إلى الأب مباشرة:
— الأب في عين ابنه ليس رجلًا عاديًا… بل قدوة. والأبناء لا يتعلّمون من النصائح بقدر ما يتعلّمون من المشاهد التي تتكرر أمامهم كل يوم. فهل تنتظر يومًا ترى فيه السيجارة في فم ابنك كما هي اليوم في فمك؟
بقي الأب صامتًا… صامتًا بطريقةٍ تشبه الصحوة المفاجئة.
خرج من المدرسة بخطواتٍ بطيئة، ثم أخرج علبة السجائر من جيبه، نظر إليها طويلًا…
وكأنّه يرى فيها للمرة الأولى شيئًا لم يكن يراه: مستقبل ابنه.
ثم… ألقى بها في أقرب حاوية قمامة، ومضى… وهو يشعر أن ما تخلّص منه لم يكن علبة دخان فقط، بل بداية طريقٍ جديد.

*ثلاث رسائل تصنع أبناءً أجمل* 
🔹 الأبناء يتعلّمون بالقدوة أكثر من الأوامر
فالطفل لا يقلّد كلمات والديه فقط، بل يلتقط تفاصيل سلوكهما اليومي دون أن يشعر؛ لذلك تبقى القدوة الصالحة أعظم أسلوبٍ في التربية.
🔹 العادات الخاطئة لا تؤذي صاحبها وحده
فبعض السلوكيات تمتد آثارها إلى الأسرة كلّها نفسيًا وصحيًا وتربويًا، والتدخين أحد العادات التي قد تترك أثرها في الأبناء قبل أن تتركه في الجسد.
🔹 ازرع في قلب ابنك الصفات التي تتمنى أن تراها فيه
علّمه الاجتهاد والمثابرة، وامنحه حبّ العلم، وازرع داخله روح الأمل والنشاط؛ فالأبناء ينمون بالكلمات الجميلة كما تنمو الأشجار بالماء.


error: المحتوي محمي