19 , مايو 2026

القطيف اليوم

رجل ذو مهنة بسيطة لكنها تتيح لأسرتِه حياةً كريمة!

بوسعي أن أتخيل حياة كثير من الرجال الذين التقيت بهم في سنوات طويلة أن بعضهم يمتهن مهنة بسيطة، مهنة تفوح منها رائحة الطموح في توفير عيش وحياة كريمة لأسرهم. رجال بسطاء، لا يعرفهم جلّ الناس لكن الله سبحانه وتعالى يعرفهم ويقدر أعمالهم!

العبرة ليست في البذخ والبهرجة، إنما في الكدّ والتعفف عما في أيدي الناس. ما أجمل دين الإسلام الذي يحث على العمل واحترام الذات ويعزز الكرامة. جعل من العمل والمهنة شيئًا ذا أهمية وقيمة وأن الحياة تزدان وتزدهر في ظل العمل الشريف!

- "ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود كان يأكل من عمل يده".
- "ما أكل العبد طعامًا أحب إلى الله تعالى من كدّ يده، ومن بات كالًّا من عمله بات مغفورًا".
- "أزكى الأعمال كسب المرء بيده".
- "ملعونٌ ملعون من يضيع من يعول".

الأحاديث الدينية أعلاه غيض من فيض من التوصيات الوافرة التي حثّ فيها الدين الإسلامي على العمل وبيّن فضل الكاسب. الكاسب الذي يتعب ولا يستريح طالبًا الرزق الحلال والكدّ على العيال، ممارسًا جهاد الكسب والاسترزَاق.

يذكر أن رجلًا، في قديم الزمان، وقف على كنيف وفى أسفله كنّاف، وهو ينشد:
أكرم نفسي عن أمور كثيرة * ألا إن إكرامَ النفوس من العقلِ
وأبخل بالفضل المبين على الألُى * رأيتهم لا يكرمون ذوي الفضلِ
وأقبح ممّا بي وقوفي مُؤملًا * نوال فتى مثلي، وأي فتى مثلي!

غاية ما في الأمر للناس أبواب، قد تغلق في أي وقت، والله سبحانه وتعالى لا يغلق بابه أبدًا على من يقرعها وأجمل وسيلة لطرق باب الله سبحانه وتعالى الجد والعمل والكسب. يرحب الله سبحانه وتعالى ترحيبًا شديدًا بمن يعمل ويكرم نفسه وينظر إليه نظرة فيها كمّ كبير من المحبة والثواب!

يقول أحد المتعففين:
أقسم بالله لمصّ النوى * وشرب ماء القلب المالحة
أعز للإنسانِ من حرصه * ومن سؤال الأوجهِ الكالحة
فاستغن باللهِ تكن ذا الغنى * مغتبطًا بالصفقةِ الرابحة
اليأس عزّ والتقى سؤدد * ورغبة النفسِ لها فاضحة

هؤلاء الشبان والشابات الذين نراهم كل صباح، ذاهبون إلى أعمالهم، هم في الحقيقة ذاهبون من أجل كسب أرزاقهم، تحدوهم الرغبة في الحياة الكريمة السامية. العمل ليس عيبًا، أيّ عمل طالما هو عمل حلال ومشروع! كلّ عمل أفضل من الاعتماد على الوالدين أو الزوجة، وبالتأكيد أولى من الاعتماد على الأبعدين!

نسب إلى الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- قوله:
لَنَقلُ الصَخرِ مِن قُلَلِ الجِبالِ * أَحَبُّ إِلَيَّ مِن مِنَنِ الرِجالِ
يَقولُ الناسُ لي في الكَسبِ عارٌ * فَقُلتُ العار في ذُلِّ السُؤالِ
بَلَوتُ الناسَ قِرنًا بَعد قَرنٍ * وَلَم أَرَ مِثلَ مُحتالٍ بِمالِ
وَذُقتُ مَرارَةَ الأَشياءِ طُرًّا * فَما طَعمٌ أَمَرَّ مِنَ السُؤالِ


error: المحتوي محمي