02 , أبريل 2026

القطيف اليوم

حب في رداء الخديعة

(محاولة في كتابة قصة بأسلوب النثرية القصصية)

الشمس تلبس ثوب الحمرة المشرقة، عاطفة متوثبة تنتظر اللقاء. لقد حانت لحظة أمنيتها الشفيفة. مال الخيال إلى الحقيقة، وبسطت رؤيتها المباشرة، المغامرة كنز المعرفة، وجرحها النازف على متاهات الزمن الموغل في التوحش، اللهفة شوقا تُحتجز في ممر الحنين، ضاعت تقاطيعها خلف الشبابيك المعتمة بصحبة الطفولة والعفاف، تتسلل البراءة مثل إبرة تسبح في نسيج من  القطن الناعم.. تبحث عن حب هائم وغد مستيقظ ونائم.

قال لها في هيام الميتم في حبها منذ كنتِ طفلة والشوق يلعب بي،  أحصي الشهور والأيام تنتظر، حتى رأيتك كوكبا يلمع في سمائي، وها أنتِ الآن شعاع أحلامي، قد تجمعت في يدي ضياء، فأنتِ من يملأ دنيتي المظلمة، سآخذك حيثما ترغبين في أمان، سآتي على فرس أبيض؛ أو حتى إن شئت سأحملك على راحة كفي، وأحتضنك ملء صدري، وأضمّك بين ضلوعي، لن يخذلك الوفاء،سألتحم بك حتى آخر نفس في جسدي المرهق.

سنطير في غيمة بيضاء، وسنمطرها سويا، سيعشب الثرى، وننثر الرياحين الخضراء في طرقات حبنا المزينة بالفرح، سيكون لك زندي هذا الركيزة التي تحميك، وأفرد لك ظهري جسرًا تعبرين به شواطئ الدفء والأمان، وسنصبح معا جداول وأنهارًا، نسقي ارضنا الجدباء، سنسير بين السهول والفيافي البعيدة دون خوف أو وجل،فأنتِ  جدول الورد،  ونبع الزهر، والعطور الزكيّة، وأنتِ خرير الماء الرقراق، وأنا أروي حقول البساتين، وأنت الليلك بين شجر العنب والرمان والتين، أنتِ موسيقى الحب، وأنا لحن الحياة .

قالت له في لهفة متعطشة ؛ أنت ، لابد وأنك لست من الإنس ! بل ملاك هبط من عوالم بعيدة على هيئة بشر، من أي عالم جئت  ؟، وإلى أي أرض انتميت ؟، لم أرَ ولم أسمع بهذا العذب من الكلام، إن كنت أردتني في غيمة، أو في سحابة ممطرة ؟، فإني الدفء الذي سيحميك من هبوب السماء، ولهيب الشهب، بل إن كنت ترغب، سأضع لك وسادة بين قلبي وممر الهواء، سأحتضنك بين أهداب عيني وأغطيك خلف الجفون، سأفرش لك عمري بساطًا،  وأداريك  بشرشف أنفاسي، أنت إن أردت أن تغادر دنيتي، فلن تغادر إلا ومعك نبض قلبي وأحشائي .

تعاهدا، وتواعدا، امتزج الدمع بحرارة الأنفاس، وغابت النظرات في عمق المتاهات، وتداخلت نبضات الفؤاد، وامتزجت الآهات الساخنة،بعذوبة قطرات العرق المتوهجة، وذابت اللحظات في قيعان الزمن المتلاشي، حيث لم يعد لها ظل، كل شيء بدأ يتداخل، وينصهر في بوتقة واحدة، أصبحا جسدًا متلاحمًا، بفعل الغفلة وأفيون الكلمة المنتشية، فما زال للكلمة سحر ينفذ إلى مسامات الجسد الموجوع،وأحلام تطير، نطاردها خلف العتمة الموغلة في الظلام أو تصطادها عند أقرب منزلق سحيق.

عندما أغلقت الشمس شعاعها الأخير، وشبكت منافذها بخيوط السواد الكاحل، وسكنت العصافير أغصانها، ودخل الكون لحظة صمت، عندها كان الجسد يتفكك، فقد غادر القمر منازله البعيدة  ، ليتربّع على أفق الدنيا، فيضئ البقعة المعتمة، هاهو يقترب بقوة،ويستوطن العتمة الموحشة، عندما ألقى بحزمة شعاعه على النصف الآخر من الجسد، رأى الملاك يتحول كالمارد إلى شيطان، فقد تبدل وجهه وكبرت عظام جبينه، وتناثرت أسنانه،، ومال لون وجهه إلى لون رمادي، بشعر طويل أشيب، أيدٍ كبيرة  قاسية، بأظافرها العملاقة المتسخة، ضحك، وزفر، وعندما استيقظت مذعورة مسكونة بالذهول،وهول المنظر المسحور، وهي لا تزال ترتجف من تحت ردائه الأسود الكريه، كأنه لون خرج للتو من بين حفر الأرض المخيفة.

قال لها: ها هو أنا أردت أن أبات الليلة وكل ليلة  بين أضلاعك ، وأتوسّد أنفاسك (سوف ترين ليل الآلام الموجعة)، أنتِ أيتها القطة الوديعة فراشًا ناعمًا لأمثالي المرَدة، كوني كما كانت الآلاف من قبلك فراشًا وفيرًا  نستريح عليه نحن شياطين الأرص، فأعلمي بأنني المتمكن فوق هذه الأنفاس الطريّة، فأنا ،  إن نمت بين أضلاعك فغذائي طازج من رائحتك الشهية .

اعصفي أيتها الغيوم الشقية، قهقهي أيتها الأرواح المنسيّة، ورفرفي بعيدًا، سأزف إليك المزيد حتى أرى الدموع النديّة، سأفرش أرديتي الموحشة، وسأبسطها فوق أشلائكم جميعًا، أنتِ ومن يأتي من بعدك ،هكذا أردتم أن تكونوا من نبضات قلوبكم، مفارش وثيرة لكلماتي الدفينة ، وأمنياتي المغروسة في نفسي الشقية ،

قالت له “ أيها المخادع ، لن نجني من  مكرك إلا الحصرم، فلم تعد إلا ورقة يابسة ،  مركونة في مهملات الماضي الملوث بتراب الزمن ، تبّا لهولاء الأرواح المدهونة بسواد الغدر والخيانة ، لا يشبهك في سلوكك إلا غربان السماء ، ودود الارض ، والحفر المخيفة ، هل تعلم كنت دوما أحمل في قلبي نفسا أبية؟ سأمضي دون انتظار جواب ،لم  يعد للإجابة طعما ،  حينما يتحطم الحب على مدبح الخديعة.


error: المحتوي محمي