قبل أن نبدأ أرغب أن ألفت نظر القراء الأعزاء إلى أنني ذكرتُ مناسبتي الزواج والوفيات فقط وإلا حكايات الفزعة والفزعات في القطيف لا يمكن حصرها في هاتين المناسبتين. ذكرت هاتين المناسبتين فقط لأنه لو أردنا أن نذكر تجاربنا الخاصة وما يرويه غيرنا يطول السرد والتدوين.
نحكي هذه المناظر والمناقب لا لأنَّ القطيف تفردت بها دون سواها من بلدان العالم، إنما لكي يحفظها الزمن وتعمل بها الأجيال القادمة. نحكيها لكي لا ننسى هويتنا التي صنعها من قبلنا وإنما نزيدها تألقًا ولمعانًا ونحدد مسارنا في زحمة حكايات الناس والمجتمعات.
من خصائص أهل وطننا ككل ومنهم القطيف وما حولها من تجمع سكاني أنهم أهل فزعات، يفزعون لبعضهم البعض. منذ القدم تجد من يعينك من جار أو صديق أو حتى ابن الحارة أو ابن البلدة.
قوم تعاونوا ما ذلوا! مثل شعبيّ قديم لا نزال نراه حيًّا في المناسبات الجماعية. ترى كثافة الحضور والتعاون والتكاتف. هذه القيم العريقة يجب أن تبقى وتتضخم لكي يراها الأبناء والأحفاد ويعرفون من أين هم ومن أي مجتمع جاءوا.
يبارك الله سبحانه كل جماعة تتعاون فيما بينها وتتوادّ. روي عن الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
الذي عاش سنوات الزمن الماضي شهدَ كيف سكن الناس في بيوت مشيدة من جريد وسعف النخيل وما أكثر حوادث الحريق التي تلتهم منزلًا، أو أكثر، فيهبّ الجيران ويفزعون لبناء سكن ومساعدة المتضررين. شهد الناس آنذاك كيف يفزع الجار لجاره وذو الرحم لذي رحمه وابن البلد لابن بلدته في الأفراح والأحزان.
الأرقام المالية وقوائم المعونات الدورية التي تصدرها الجمعيات الخيرية بانتظام في فصل الشتاء وغيره من الفصول شاهد آخر على التعاون والتعاضد أخذًا بنصيحة النبي محمد صلى الله عليه وآله "إن الله في عون المؤمن ما دام المؤمن في عون أخيه المؤمن، ومن نفس عن أخيه المؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه سبعين كربة من كرب الآخرة".
فزعة المجتمع ظاهرة دينية وثقافية نبيلة حين يهبّ المجتمع لمساعدة شخص أو مجموعة في موقفٍ ما لا لغرض سوى إظهار التضامن والتلاحم بين أفراد المجتمع وشحن الصدور بالسرور وتنفيس الضيق. ظاهرة يحبها الله سبحانه وتعالى حبًّا جمًّا كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله مؤمن على مؤمن: يطرد عنه جوعة أو يكشف عنه كربة".
"الحمل الثقيل لا يقوم إلاَّ بأهله" إذا قال الأول هات وقال الثاني خذ وقال الثالث توكلنا على الله تضاعفت الهمة والإنتاج. أما إذا لم يكن سوى فرد واحد فلن يستطيع أن يحمل سوى ما يستطيع أن يحمله الواحد! في السرور وفي الأحزان تظهر الحاجة للجماعة وتنعكس صورة المجتمع النبيل القادر المتعاون.



