في زمنٍ تتكاثر فيه الضوضاء، وتعلو فيه الأصوات أكثر من المعاني، يصبح العاقل فعلاً شجاعاً، لا ضعفاً كما يتوهم البعض ، فالعاقل لا يهرب من المواجهة، لكنه يميّز بين المعركة التي تُبنى، وتلك التي لا تُخلّف سوى غبارٍ في الهواء وندوبٍ في الروح.
السكينة ليست انسحاباً من الحياة، بل فهمٌ عميق لها ، هي قدرة الإنسان على أن يضع الأشياء في أحجامها الحقيقية، فلا يمنح الصغائر أكبر من حقها، ولا يهدر طاقته في سجالات لا تغيّر واقعاً ولا تصنع قيمة ، وكما في الفن، حيث الفراغ جزء من التكوين، والصمت عنصر جمالي لا يقل أهمية عن الصوت، فإن السكينة في الحياة هي المساحة التي يتنفس فيها العقل ويعيد ترتيب رؤيته.
المعارك الفارغة غالباً ما تُخاض لإرضاء الأنا، لا لخدمة الحقيقة ، هي استعراضٌ مؤقت، ينتهي بانتصار وهمي أو خسارة مشتركة ، والعاقل يدرك أن بعض الانتصارات لا تستحق خوض الحرب من أجلها، لأن ثمنها أعلى من مكاسبها، ولأنها تسرق من الإنسان صفاءه، وهو أثمن ما يملك.
في التجربة الإنسانية، كما في العمارة التقليدية التي تحترم البيئة والمكان، لا تُبنى الجدران لمجرد البناء، بل لتحقيق التوازن والحماية والراحة ، كذلك العقل الواعي ، لا يرفع جدار الصدام في كل موقف، ولا يفتح نافذة الجدال على مصراعيها دون حاجة ، يختار بعناية متى يتكلم ومع من ، ومتى يصمت، ومتى يبتسم ! ومتى يمرّ بسلام.
السكينة موقف، وليست حياداً بارداً !!! هي وعيٌ بأن الزمن أثمن من أن يُهدر، وأن الكلمة أمانة، وأن الطاقة إن لم تُصرف في البناء، ستتبدد في الفراغ ، والعاقل، بفطرته وتجربته، يعرف أن أعظم الانتصارات هي تلك التي لا يسمع أحدٌ ضجيجها، لأنها تحدث في الداخل ، حيث ينتصر الإنسان على غضبه وحساسيته ، وعلى رغبته في إثبات ذاته على حساب راحته.
لهذا، لا يستبدل العاقل السكينة بالمعارك الفارغة، لأنه اختار أن يكون سيد نفسه، لا أسير اللحظة ، اختار الحب والسلام والعمق على السطح، والبصيرة والتأني على الانفعال، والبقاء في منطقة الضوء، بعيداً عن صخب لا يترك وراءه سوى التعب .
العتبة الأخيرة :
إلى صديقي، وأخي، وزميلي…
وإلى من يمرّ علينا مرور الكرام،
نلتقي في دروب الحياة، بعضنا يمكث طويلاً، وبعضنا يعبر كنسمة عابرة، لكن الأثر لا يُقاس بطول البقاء، بل بصدق الحضور ، فهناك من يترك في القلب طمأنينة، وهناك من يمرّ دون ضجيج، وكلاهما جزء من الحكاية ، إلى من شاركنا الطريق، الحديث، والوقت ، أقول:
الامتنان لا يحتاج مناسبة، والودّ لا يُختصر في الكلمات، لكنه يظهر في الاحترام، وفي حفظ المسافة الجميلة بين القلوب ، وإلى من مرّ مرور الكرام ، أهلاً بكم كما أنتم، لا عتاب ولا انتظار، فالحياة أوسع من أن نُحمّلها أكثر مما تحتمل، وكل لقاء له سببه، وكل فراق له حكمته ، نبقى كما نحن، نختار السكينة، ونمنح الآخرين حقّ العبور بسلام، دون ضجيج، ودون حسابات، فالقلوب الواعية تعرف أن الصفاء مكسب، وأن الهدوء لغة لا يفهمها إلا من جرّب ثقل الضوضاء.



