قبل نحو عقدين من الزمن، اصطحبت عائلتي في رحلة إلى جزيرة موريشيوس الساحرة، تلك البقعة التي تبدو وكأن الطبيعة قررت أن تجمع فيها أجمل ما لديها، ثم تنثره بسخاء على جزيرة صغيرة في قلب المحيط الهندي.
هناك، حيث الشواطئ البيضاء تعانق المياه الفيروزية، وأشجار جوز الهند تتمايل على امتداد الساحل، وحيث تتعانق أشعة الشمس مع زخات المطر في مشهد يبعث في النفس شيئا من الطمأنينة والدهشة. كان البحر صافيا إلى حدٍّ يجعلك ترى أعماقه، فيما تحيط الشعاب المرجانية بالجزيرة كأنها طوق حماية طبيعي، يحرس جمالها ويمنح مياهها عالمًا نابضا بالحياة.
ولم تكن الشواطئ وحدها مصدر الفتنة، فالشلالات المتدفقة من المرتفعات، والينابيع التي تتهادى بين الخضرة والزهور، والتضاريس التي تتبدل ألوانها مع الضوء والغيوم، كلها جعلتني أشعر وكأنني أتنقل بين لوحات رسمتها يد فنان لا تنفد مخيلته. ومهما حاولت وصف موريشيوس، ستظل الكلمات أقل من أن تحيط بسحرها.
لكن أجمل المغامرات تبدأ أحيانا حين نقرر أن نغادر المشهد المألوف، ونكتشف ما تخفيه الطبيعة وراء ستارها.
كانت مغامرة الغواصة من التجارب التي انتظرتها بشغف، فرصة للهبوط إلى أعماق المحيط، إلى نحو ثلاثين مترا أو أكثر، حيث عالم مختلف تماما عن ذلك الذي نراه من فوق سطح الماء. هناك، تتجول الأسماك بألوانها المدهشة، وتتحرك الكائنات البحرية في هدوء، وتظهر الشعاب المرجانية بتشكيلاتها الغريبة، فيما تكشف الأعماق عن بقايا سفن غارقة تحكي قصصا لم يعد يعرف تفاصيلها أحد.
كنت أتخيل نفسي أعيش مشهدا من فيلم وثائقي، أراقب ذلك العالم الخفي من خلف النوافذ الزجاجية للغواصة، وأستمتع بكل لحظة من الرحلة. لم يخطر ببالي أن لحظة واحدة ستغيّر شعوري تماما.
اقتربت اللحظة الفاصلة..
قبل بدء الغوص، أخذ قائد الغواصة يشرح لنا بعض التعليمات والإرشادات التي ينبغي اتباعها في حال حدوث أي طارئ. بدا الأمر طبيعيا في البداية، فكل مغامرة لها احتياطاتها، وكل رحلة بحرية تحتاج إلى إجراءات للسلامة.
لكن فجأة، طرح القائد احتمالا لم أكن أرغب في التفكير فيه، ماذا لو تعذّر عليه إعادة الغواصة إلى سطح البحر بسبب ظرف طارئ..
ثم بدأ يشرح لنا ما ينبغي فعله في تلك الحالة، وأشار إليّ بإصبعه، وكأنه اختارني لأكون الشخص الذي يتولى المساعدة في محاولة إنقاذ الموقف إذا عجز هو عن القيادة، سواء بسبب فقدان الوعي أو أي طارئ آخر.
في تلك اللحظة، انتقلت أفكاري من جمال الأعماق إلى احتمال البقاء فيها..
نظرت إلى الغواصة، ثم إلى أفراد عائلتي، والآخرين معنا، وبدأ خيالي يرسم سيناريوهات لم أطلب منه رسمها. ماذا لو حدث ما لا نتمناه.. ماذا لو بقينا في الأعماق، بعيدا عن ضوء الشمس وهواء السطح.. وكيف يمكن لمغامرة بدأت بالمتعة والحماس أن تتحول إلى موقف نبحث فيه عن طريق العودة إلى الحياة المعتادة..
لقد نجح القائد، دون أن يقصد، في أن يجعلني أعيش المغامرة قبل أن تبدأ، لكنني عشت هذه المرة الجانب الذي لم أكن أبحث عنه..
وما إن بدأت الرحلة حتى وجدت نفسي أراقب التفاصيل بعين مختلفة. كان المشهد البحري آسرا بالفعل، لكن فكرة الطوارئ ظلت تزاحم متعتي بين الحين والآخر. وبينما كان الآخرون يستمتعون بمشاهدة الكائنات البحرية، كنت أستعيد في ذهني التعليمات التي سمعتها، وأتساءل: هل سأحتاج فعلا إلى تذكّرها..
لحسن الحظ، انتهت الرحلة بسلام، وعادت الغواصة إلى سطح البحر كما كان متوقعًا، ولم أحتاج إلى اختبار أي من تلك التعليمات. تنفست الصعداء، وعادت الابتسامة إلى وجهي، وكأنني خرجت من مغامرتين، واحدة في أعماق المحيط، وأخرى في أعماق الخيال..
وهكذا انتهت رحلتنا إلى موريشيوس، وبقيت ذكرياتها حاضرة في الذاكرة، جمال الجزيرة، وسحر البحر، وتلك اللحظة التي جعلتني أكتشف أن بعض التجارب لا تمنحنا متعة المشاهدة فحسب، بل تكشف لنا أيضا كيف يمكن لفكرة عابرة أن تغيّر إحساسنا بالموقف كله.
أما الدرس الذي خرجت به، فهو أن المغامرة لا تكتمل بالحماس وحده، بل بالاستعداد لما قد لا نتوقعه أيضا ..
إلى لقاء في مغامرة جديدة، وحكاية أخرى من دفتر السفر والذكريات..
هناك، حيث الشواطئ البيضاء تعانق المياه الفيروزية، وأشجار جوز الهند تتمايل على امتداد الساحل، وحيث تتعانق أشعة الشمس مع زخات المطر في مشهد يبعث في النفس شيئا من الطمأنينة والدهشة. كان البحر صافيا إلى حدٍّ يجعلك ترى أعماقه، فيما تحيط الشعاب المرجانية بالجزيرة كأنها طوق حماية طبيعي، يحرس جمالها ويمنح مياهها عالمًا نابضا بالحياة.
ولم تكن الشواطئ وحدها مصدر الفتنة، فالشلالات المتدفقة من المرتفعات، والينابيع التي تتهادى بين الخضرة والزهور، والتضاريس التي تتبدل ألوانها مع الضوء والغيوم، كلها جعلتني أشعر وكأنني أتنقل بين لوحات رسمتها يد فنان لا تنفد مخيلته. ومهما حاولت وصف موريشيوس، ستظل الكلمات أقل من أن تحيط بسحرها.
لكن أجمل المغامرات تبدأ أحيانا حين نقرر أن نغادر المشهد المألوف، ونكتشف ما تخفيه الطبيعة وراء ستارها.
كانت مغامرة الغواصة من التجارب التي انتظرتها بشغف، فرصة للهبوط إلى أعماق المحيط، إلى نحو ثلاثين مترا أو أكثر، حيث عالم مختلف تماما عن ذلك الذي نراه من فوق سطح الماء. هناك، تتجول الأسماك بألوانها المدهشة، وتتحرك الكائنات البحرية في هدوء، وتظهر الشعاب المرجانية بتشكيلاتها الغريبة، فيما تكشف الأعماق عن بقايا سفن غارقة تحكي قصصا لم يعد يعرف تفاصيلها أحد.
كنت أتخيل نفسي أعيش مشهدا من فيلم وثائقي، أراقب ذلك العالم الخفي من خلف النوافذ الزجاجية للغواصة، وأستمتع بكل لحظة من الرحلة. لم يخطر ببالي أن لحظة واحدة ستغيّر شعوري تماما.
اقتربت اللحظة الفاصلة..
قبل بدء الغوص، أخذ قائد الغواصة يشرح لنا بعض التعليمات والإرشادات التي ينبغي اتباعها في حال حدوث أي طارئ. بدا الأمر طبيعيا في البداية، فكل مغامرة لها احتياطاتها، وكل رحلة بحرية تحتاج إلى إجراءات للسلامة.
لكن فجأة، طرح القائد احتمالا لم أكن أرغب في التفكير فيه، ماذا لو تعذّر عليه إعادة الغواصة إلى سطح البحر بسبب ظرف طارئ..
ثم بدأ يشرح لنا ما ينبغي فعله في تلك الحالة، وأشار إليّ بإصبعه، وكأنه اختارني لأكون الشخص الذي يتولى المساعدة في محاولة إنقاذ الموقف إذا عجز هو عن القيادة، سواء بسبب فقدان الوعي أو أي طارئ آخر.
في تلك اللحظة، انتقلت أفكاري من جمال الأعماق إلى احتمال البقاء فيها..
نظرت إلى الغواصة، ثم إلى أفراد عائلتي، والآخرين معنا، وبدأ خيالي يرسم سيناريوهات لم أطلب منه رسمها. ماذا لو حدث ما لا نتمناه.. ماذا لو بقينا في الأعماق، بعيدا عن ضوء الشمس وهواء السطح.. وكيف يمكن لمغامرة بدأت بالمتعة والحماس أن تتحول إلى موقف نبحث فيه عن طريق العودة إلى الحياة المعتادة..
لقد نجح القائد، دون أن يقصد، في أن يجعلني أعيش المغامرة قبل أن تبدأ، لكنني عشت هذه المرة الجانب الذي لم أكن أبحث عنه..
وما إن بدأت الرحلة حتى وجدت نفسي أراقب التفاصيل بعين مختلفة. كان المشهد البحري آسرا بالفعل، لكن فكرة الطوارئ ظلت تزاحم متعتي بين الحين والآخر. وبينما كان الآخرون يستمتعون بمشاهدة الكائنات البحرية، كنت أستعيد في ذهني التعليمات التي سمعتها، وأتساءل: هل سأحتاج فعلا إلى تذكّرها..
لحسن الحظ، انتهت الرحلة بسلام، وعادت الغواصة إلى سطح البحر كما كان متوقعًا، ولم أحتاج إلى اختبار أي من تلك التعليمات. تنفست الصعداء، وعادت الابتسامة إلى وجهي، وكأنني خرجت من مغامرتين، واحدة في أعماق المحيط، وأخرى في أعماق الخيال..
وهكذا انتهت رحلتنا إلى موريشيوس، وبقيت ذكرياتها حاضرة في الذاكرة، جمال الجزيرة، وسحر البحر، وتلك اللحظة التي جعلتني أكتشف أن بعض التجارب لا تمنحنا متعة المشاهدة فحسب، بل تكشف لنا أيضا كيف يمكن لفكرة عابرة أن تغيّر إحساسنا بالموقف كله.
أما الدرس الذي خرجت به، فهو أن المغامرة لا تكتمل بالحماس وحده، بل بالاستعداد لما قد لا نتوقعه أيضا ..
إلى لقاء في مغامرة جديدة، وحكاية أخرى من دفتر السفر والذكريات..



