لا شك أن تلبية الحاجات المادية والعيش الكريم لا يعني بالضرورة تحصيل المطالب الروحية والاستقرار النفسي؛ فالعلم قد يتطور ويتقدم وتتسع حقوله وتفرعاته بما يشي بالحصول على نتائج إيجابية تنعكس على الإنسان، ولكن كل تلك المعارف واستكشاف بواطن الكون وأسراره قد لا تعدو في كثير من الأحيان أن تكون تراماً للمعلومات بلا نتائج روحية مرجوة، كما يظهر في حال بعض المشتغلين بالعلوم المادية البحتة الذين لا تهبهم علومهم معرفة الله تعالى ولا توصلهم إلى اليقين بوجوده وحكمته في التدبير، مع كون هذه المعرفة -بالنسبة لسعة معارفهم- من البديهيات المتحصلة بأدنى نظرة إلى هذا الكون الرحيب ونظامه الإعجازي.
وكذلك الشأن في تلك المكانة الاجتماعية المرموقة، وحضور الإنسان الفاعل والمؤثر بين الناس حتى يصبح شخصاً معروفاً أو مشهوراً؛ فهل يمكن لتلك المكانة أن تمنحه بُعداً معرفياً يستطيع من خلاله الحصول على إجابات معمقة حول هويته، أو تحديد معالم شخصيته، أو الإجابة على تساؤل محير عن علة وجوده وما يتعلّق بها من دور وظيفي مناط به، أو الإجابة عما يواجهه من مصير وخاتمة لحياة حافلة بالأحداث والوقائع؟
ولذا، فإن الإنسان قد يعيش في وسط الضجيج والتفاعل الاجتماعي والعلاقات القوية، ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة تسكن دواخله ولا يجد تفسيراً مقنعاً لتلك الحالة. والحقيقة الغائبة هي أن المشكلة لا تكمن في امتلاك الدنيا وما فيها من وسائل الراحة والاقْتدار، وليس معنى ذلك أن القيم الدينية تدعو إلى حالة من الرهبنة والانغلاق والعزوف عن أسباب البهجة في الحياة، كما أنها لا تحقر قيمة العلم أو العمل أو المال ودورها المحوري والمؤثر في بناء حياة الإنسان. وإنما تكمن المشكلة في انقلاب تلك الأسباب والوسائل إلى غايات قصوى يعمل الإنسان على تحقيقها؛ وحينئذٍ يصبح أسيراً لما كان ينبغي أن يكون في يده لا في قلبه كهدف نهائي.
ولنلقِ نظرة متمعنة على مثال يقرّب الصورة ويبني نظرة واعية وبصيرة ثاقبة تُحدث بُعداً وتصوراً مختلفاً يلقي بظلاله على حياة الإنسان؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):
“الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ القُرْآنِ: قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾{ الحديد الآية ٢٣ } )( نهج البلاغة : الحكمة ٤٣٩ ) .
وما أروعه من تصوير لمفهوم الزهد يبدد ما حيك حوله من مفاهيم خاطئة تحوله إلى بُعد سلبي في الحياة؛ فالزهد ليس كما يتصور البعض عزوفاً عن مباهج الحياة ووسائل الراحة فيها، بل هو قناعة نفسية عميقة لا تتعلق بما يملكه الإنسان، بل ألا تملكه الأشياء كالمال والوجاهة والمكانة العلمية أو الاجتماعية.
وهذا ما يوصلنا إلى قاعدة مهمة في حياة الإنسان عليه أن يستوعبها ويترجمها عملياً في خطواته وقراراته: فكلما اتسعت حاجات النفس من غير أن يتسع وعيها بالله تعالى والتقرب منه في محراب العبادة والطاعة، ازدادت قدرتها على إنتاج الشعور بالنقص والبحث عن مأمن حقيقي تأوي إليه. فقد يحصل الإنسان على ما كان يحلم به ويهرع تحقيقه، ثم يبدأ مباشرة في مطاردة حلم آخر، وهكذا ينتقل من حلم لآخر دون بلوغ الغاية المنشودة وهي الراحة النفسية والطمأنينة؛ لأن المشكلة لم تكن في الشيء المفقود وحده، بل في توهم أن الشيء القادم هو الذي سيمنح القلب كماله النهائي.



