05 , أبريل 2026

القطيف اليوم

شهر رمضان سُفرة وسَفرة.. أيهما يسبق؟

الحمد لله على طول الأعمار وتبديل الآثار والأحوال.

قرب شهر شعبان أن ينتصف وبدأت رحلة التسوق السنوية التي اختصّ بها شهر رمضان المبارك فبين مؤيد، يعتبرها ضرورة، وبين منتقد ساخر،  يعتبرها غير ضرورية!

لنكن واقعيين، وإن تكلمنا عن ضبط شهوة الأكل في شهر رمضان، إلا أن نفس الجائع تشتهي الأكل. ليس لحد التخمة والمرض، إنما نفس الجائع تشتهي الطعام الجيّد. لذلك تجد الكثير منا يتبضع ويشتري أصنافًا من الطعام لا يشتريها في معظم أيام السنة.

إذا حضر في شهر رمضان لمات العائلة، التي نادرًا ما تجتمع على وجبة طعام، تطيب الحكايا والتذكارات ويطيب الأكل. من قال أن الطعامَ ليس من الشهوات الحلال وأن السُفرة (بضمّ الضاد) لا تجمع الأصدقاءَ والمحبين والعائلة، من الشيخ الكبير وحتى الطفل الصغير؟

شهر رمضان كذلك سَفرة (بفتح الضاد) إلى الله سبحانه وتعالى. بعدما تُرفع السُفرة وتُغسل الأيادي ترتفع الأصوات وتلهج الألسن بقراءة القرآن الكريم والأدعية التي يختص بها شهر رمضان الكريم، مثل دعاء الافتتاح الذي نحرص على قراءته في مجتمعاتنا في ليالي شهر رمضان، وغيره من الأدعية الخاصة بسائر ليالي وأيام شهر رمضان المبارك.

ظاهرة السُفرة ليست حديثة في شهر رمضان، لذلك كما نعرف أن دعوة الصائم إلى إفطار فيها من الأجر العظيم. السُفرة والسماط في مساجدنا، في بيوتنا، على نواصي الطرقات، الكل يرى، ويحق له أن يرى، في الطعام وسيلةً وخطوةً تقربه في شهر رمضان إلى الله سبحانه وتعالى. من يتتبع الأثر الدينيّ في الأحاديث النبوية يرى ذلك واضحًا.

نعم، لا نغلّب محبةَ وشهوة سُفرة الطعام على السَفرة والرحلة الإلهية بحيث نفرغ الشهر الكريم من مضمونه وهدفِه الديني الرباني الذي واحد منها أنه يذكرنا جوع ومعاناة المحتاجين، الذين لا يجدون كفايتهم من الطعام. وأن لا يَحول الطعامُ بيننا وبين أوقاتِ الطاعة والتقرب من الله سبحانه وتعالى.

أعتقد أننا لا نصبح شرهين في شهر رمضان لأننا نحب الطعام؛ إنما نجد في الطعام وسيلة راحة وترفيه بعد صيام عدة ساعات. وسيلة ترفيه تجمع الأحبة والعائلة في أوقاتٍ لطيفة مفعمة بالودّ والمحبة، ونجد في الطعام مادة إكرام مختلفة عن سائر الأيام للضيف الذي نراه فقط في شهر رمضان. نستطيب الطعامَ لأن أمهاتنا وزوجاتنا أعددناه بنفسِهن ونَفَسِهن ولم نشتريهِ من خارج البيت!

ما المانع أن نشتهي الأكل؟ أن نأكل في شهر رمضان غير ما نأكل في غيره من الأيام والشهور إذا فعلنا الضابطة الإلهية " ولا تسرفوا"؟ لسنا ملائكة لا تأكل الطعام! كلّ إنسان - عادي - يشتهي الطعامَ الجيد، ليس عيبًا!

إنما يا أخينا المطلوب أن لا يلهينا الطعام وننشغل به ويكون حجابًا بيننا وبين الساعات التي من الأولى أن نُسافر فيها إلى الله سبحانه وتعالى في رحلةٍ ربانية يمتاز بها شهر رمضان في لياليه وأيامه عن باقي الشهور. شهر رمضان المبارك فيه أقدس الليالي وأقدس الساعات.

هل الأكل يختفي من الأسواق؟ لماذا ملء العربات مع قدوم شهر رمضان؟ الوقت ضيق في شهر رمضان وهي رحلة واحدة إلى السوق فلماذا لا أشتري ما أحتاج وأوفر الوقتَ والجهد؟ ثمّ إذا فاض شيء مما أشتريه لن يذهب هدرًا!

من عجائب شهر رمضان المبارك أن بركته تعم كلّ حركة من حركاتنا، ومنها تجارة الطعام الذي نجد فيه راحة ومتعة حلال، نجتمع حوله ونصل أرحامنا. بركة تختلف عن بركة بقية الشهور من السنة!


error: المحتوي محمي