أصدر الأستاذ الدكتور هشام بن كمال الفارس كتابه الجديد الموسوم بـ «الفارس والتراث.. جدي وآثار الأسلاف»، في عمل توثيقي موسّع يعيد قراءة سيرة الحاج محمد بن صالح الفارس، بوصفه أحد الأشخاص المحوريين في تاريخ محافظة القطيف، جامعًا بين السيرة الذاتية والتاريخ الاجتماعي والتراثي، ومستنطقًا الوثيقة والذاكرة معًا في سياق علمي رصين.
ويقدّم الكتاب في جوهره سيرة الحاج محمد بن صالح الفارس، الذي تقلّد مناصب إدارية وخدمية متعددة، من كاتب للعدل وأمين لصندوق المالية والجمارك، إلى رئيس لبلدية القطيف وعمدة لحي القلعة، قبل أن يتجاوز العمل الرسمي إلى دورٍ اجتماعي وثقافي أوسع، جعله من أبرز الساعين في شؤون الناس، والداعمين للتعليم، والروّاد الأوائل في حفظ الآثار وصون التراث المحلي.
ويؤطّر المؤلف سيرة الجد ضمن سياقها التاريخي الأوسع، عبر استعراض تاريخ أسرة الفارس في القطيف، وتسليط الضوء على أعلامها المؤثرين، وفي مقدمتهم الشيخ علي بن الشيخ عبد الله بن فارس، العالم والشاعر والأديب، والحاج علي بن حسن الفارس، الذي اضطلع بأدوار مالية وإدارية بارزة في العهدين التركي والسعودي، إضافة إلى الدكتور عبد الحسين بن عبد الله الفارس (القطيفي)، أحد الأسماء اللامعة في الحقل القانوني والسياسي بالعراق.
ويوثّق العمل مرحلة مفصلية في تاريخ القطيف، حين ارتبطت الإدارة المحلية بالفعل الأهلي، وتداخلت المسؤولية الرسمية مع المبادرة الفردية، ويبرز ذلك بوضوح في تجربة تأسيس أول متحف تاريخي في منطقة الخليج العربي، الذي أنشأه الحاج محمد الفارس، ليكون شاهدًا مبكرًا على الوعي بأهمية حفظ الموروث المادي والذاكرة الحضارية للمنطقة.
ويكشف الكتاب، من خلال الوثائق والصور والمراسلات والشهادات، عن شبكة العلاقات الودية التي ربطت شخصيات الأسرة برجال الدولة والحكم، داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، مقدّمًا قراءة هادئة لتاريخ العلاقة بين المجتمع المحلي والسلطة، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط، ومعتمدًا على المادة الأرشيفية والتحليل المتزن.
ويمتدّ البناء العلمي للكتاب عبر فصول متعددة، تجمع بين الترجمة، والتحقيق، والتأريخ، واستعادة الذاكرة الشخصية، بما في ذلك فصل خاص بذكريات المؤلف مع جده، إلى جانب فصل وثائقي حافل بالنصوص الأصلية والصكوك والمكاتبات، ما يمنح العمل قيمة مرجعية للباحثين والمهتمين بتاريخ القطيف والأسرة والمكان.
ويستند هذا المنجز إلى خلفية علمية راسخة لمؤلفه الأستاذ الدكتور هشام بن كمال الفارس، عضو مجلس الشورى السعودي، وأستاذ هندسة النظم بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن سابقًا، وصاحب مسيرة أكاديمية وبحثية دولية حافلة، انعكست بوضوح على منهجية الكتاب، ودقته، وصرامته التوثيقية.
ويُبرز كتاب «الفارس والتراث» أن تدوين السيرة يتجاوز حدود الحنين إلى الماضي، ليغدو ممارسة معرفية واعية، تحفظ الذاكرة، وتعيد الاعتبار للتجارب الإنسانية التي أسهمت في بناء المجتمع، مقدّمًا للأجيال اللاحقة مادة موثوقة تستلهم منها معنى الانتماء، وتقرأ من خلالها تاريخ القطيف بوصفه نتاجًا لتراكم الجهد الفردي والمسؤولية الجماعية.



