في خلال مسيرتي المهنية ترددت على مسامعي كثيرًا هذه العبارة: «ألمي يبدو مستقراً ولكنه يتهيج كلما بذلتُ قصارى جهدي في العمل ولم أجد التقدير رغم ألمي».
كثرت حينها التساؤلات في ذهني حول ما إذا كان فعليًا غياب التقدير في بيئة العمل قد يساهم في تغذية الألم وتفاقمه؟ فنشأت فكرة هذا المقال ليكون جوابًا لفهم الألم من جوانب حياتية بشكل أعمق.
إن الشعور بالتقدير لمساهمات الموظفين وجهودهم في البيئة العملية يعزز من تحفيز الأداء والإنتاجية، ويرفع من عامل ثقتهم بأنفسهم، كما يساهم في خلق بيئة ودّية بين الزملاء تُشعرهم بالإيجابية والطموح نحو التقدم. أما إذا حدث العكس وغاب التقدير عن مقاعد الموظفين، فقد تتأثر شعلة نشاطهم وأفكارهم التطويرية، كما قد تنشأ صراعات في بيئة العمل بسبب الشعور بالإحباط واليأس ما بين الموظفين وبين مرؤوسيهم.
ولكن ما قد يغيب عن بالنا هو أن عدم التقدير لن يؤثر فقط على العلاقات البشرية ومقدار الإنتاجية، فقد أشارت عدة دراسات علمية إلى وجود علاقة سلبية ما بين شدة الألم الجسدي لدى بعض الموظفين وسوء علاقاتهم مع مدرائهم في مكان العمل، بسبب عدم تقديرهم لمجهوداتهم عند إنجاز المهام بينما يتلقون فقط الملاحظات السلبية على مهام أخرى.
فما لا يمكن تجاهله هو أن الشعور بالألم بحد ذاته قد يخلق بيئة عمل مليئة بالتحديات؛ لأن الموظف قد يحاول الالتزام بالعمل بما يستطيع وإثبات ذاته على الرغم من معاناته المزمنة مع الألم وشعوره بالإرهاق خلال المهام اليومية، ولكن نقص التقدير قد يفاقم من كل هذه التحديات، ويساهم في تدهور الحالة الصحية للموظف ويقلل من إنتاجيته.
وبالتالي فإن ضعف الدعم المقدم من المشرف وعدم تماسك الفريق قد يؤديان لزيادة مستويات التوتر والقلق، مما قد يؤثر على تجارب الألم؛ لأن تجاهل الآخرين لألم الموظف قد يساهم في تفاقم الألم وتهيجه. إن عدم الشعور بالتقدير قد يؤدي إلى تشابك مجموعة من الآلام الجسدية والعاطفية التي يعزز كل منها الآخر في حلقة مفرغة، وإن لم يكن هناك سبب جسدي واضح للألم، لأن تجاهل جهود الموظف قد يثير مشاعر انعدام القيمة والإحباط والحزن والغضب، وكل هذه المشاعر قد تتجلى بشكل آلام جسدية أو تُهيج الآلام الموجودة مسبقًا.
وبكشفنا للجانب المخفي للمعاناة مع الألم، نجد أنه قد يساهم في خلق سلوكيات سلبية لدى الموظف مثل التوتر والإحباط وشعوره بتأنيب الضمير لعدم قدرته على إنجاز مهامه مثل زملائه، خصوصًا عندما تكون هناك ضغوطات في مكان العمل وتوجَّه له الملامة باستمرار من رؤسائه؛ فهذا قد يطوّر الألم والشد العضلي المزمن، ويساهم في استمراره والحفاظ عليه، كما قد تتفاقم المشكلات في بيئة العمل لهذا السبب.
فعندما تنطفئ شمعة التقدير للموظف، قد يعرضه هذا النقص لانخفاض الدافع والرضا الوظيفي، ويقلل من احترامه لذاته وقدراته، ويرفع لديه شعور التوتر والقلق لانعدام الأمان الوظيفي بسبب إحساسه بالظلم ونبذه في التعامل وعدم تقديره من مديره رغم معاناته مع الألم الذي يحدث رغماً عنه.
وقد وجدت الدراسات أن المدراء الذين لديهم وعي محدود بألم موظفيهم لا يستطيعون التمييز بين الآلام المزمنة ومشكلات الآلام اليومية الشائعة التي قد يعاني منها الأشخاص في مرحلة ما من حياتهم. وبالتالي، فإن السلوك الإداري له دور كبير في كيفية تعامل الموظف مع الألم في العمل، وإن بيئة العمل الصحية والإيجابية المليئة بالتقدير والدعم هي جزء من مسؤوليات المشرف لتوفير مكان عمل صحي بقدر الإمكان، رغم كل التحديات التي تطال جميع الأطراف بدون استثناء.
وبالتالي، فإن إتقان فن التقدير لمجهودات الموظفين واستشعار معاناتهم يساهم في إدارة الألم وتحسين صحة الموظف العامة، ويعزز من إنتاجيته وقدرته على طرح الأفكار التطويرية، ويخلق بيئة عمل صحية.
فإن حسن المعاملة للآخر إما تجعله يُزهر وإما تقتل كل إبداعه. وكما قال المتنبي:
«وَكُلُّ اِمرِئٍ يُولي الجَميلَ مُحَبَّبٌ · وَكُلُّ مَكانٍ يُنبِتُ العِزَّ طَيِّبُ».
ودمتم بصحة وعافية وأمل يا رب.


