02 , أبريل 2026

القطيف اليوم

احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة…

للتوضيح:
(أ) ما عنونا به متداول في التراث، ورُوي أنه من كلام أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، وهذا يكفي وثوقًا.. والله أعلم.
(ب) جاءت المبالغة بالتحذير من الصديق أكثر من العدو «احذر عدوك مرة وصديقك ألف مرة» لأن عدوّك مكشوف أمامك، بينما قد يخفي الصديق نوايا سيئة مستغلًا ثقتك، فإذا انقلب كان أشد ضررًا لمعرفته بأسرارك، وما في بيتك، وما حواه جيبك. فخيانة المقرّبين مدمّرة أكثر من غيرها.

الصداقة عهد ووفاء وأمانة، وليس بمقدور الجميع الالتزام بحقوقها وإعطاء النصف فيها وحفظ ما اؤتمن عليه منها حتى وهي قائمة، فضلًا عما بعدها. فاختر لنفسك من يتسم بالإيمان والمروءة والعقل؛ تغنم: يستر عيوبك، يكتم أسرارك، لا يخدعك، وإن بَعُد عنك اختيارًا أو أُبعد قهرًا، أو كرهتَ صحبته، لا يَظلم ولا يَجور ولا يتعرض لك بما اطّلع عليه منك. يبقى مكتومًا عنده، لن يبوح به، لا يُفشي معايبك، ويرى التحدث عنها عيبًا لأنها كانت مشتركة بينك وبينه أزمانًا. يحمل ضميرًا يعرف الأصول، ووازعه الديني يؤنبه. ومن جانب آخر يُشيد بحسناتك من أقوال وأفعال، ولا يرضى أن تُذكر بسوء.

ولا يعني هذا أن يكون المختار خاليًا من العيوب كامل الأوصاف لا نقص فيه مثاليًّا؛ فلو قلنا بهذا لاحتجنا البحث عن «معصوم»، ولا يتأتى لنا ذلك، بل يعجزنا، وحينها ننعزل ونعيش منفردين. ولكن الواجب التحري عن الشخص المطمئن.

ينقل لي أحد الإخوان أنه اتخذ صديقًا قربه إليه، أصبح خليلاً لا يخفي عليه شيئًا، ينادمه كل ليلة، يتعشيان ويتسامران، يتبادلان الآراء والأحاديث، يهاتفه نهارًا، يعلم بكل صغيرة وكبيرة، وخافية وظاهرة عنه، وما كان اليوم وما يكون في الغد. وما أسرع ما حصل سوء فهم بينهما، فابتعدا عن بعضهما، وتمرد الصديق على صديقه. ويتابع بحسرة قائلًا: «بالأمس كان يشيد بمواقفه ويكثر الثناء عليها، كانت كلها في عينه نبيلة، واليوم حمّله سيئات غيره وما يشينه، وسلبه محاسنه، ويقول فيه ما لم يصدر منه أو سمع عنه» — انتهى.
وحسبما نقله هذا المتكلم المتألم من صديقه السابق الجائر بسفه حاليًا، نقول:

أولًا: من المنظور الشرعي: تحريمه للغيبة «وهي ذِكر المرء بما يَكرَه»، وإن كانت فيه، وإذا لم تكن فهي بُهتان أي عظيم، وكلاهما من الكبائر التي يؤثم مرتكبها. وقد تعرّض هذا لما يُغضب الله تعالى بهتكه حرمة عبد من عباده، فتضرر هو من موقفه أكثر من الآخر، علم أو لم يعلم. ولو كان صادقًا لكان عليه نصحه والتكلم معه عنها، لا عليه بها. وأما سكوته فهو رضا بما يفعل، متستر عليها، مشجع له. وبتصرفه المقيت ترك واجبًا، وضيع حقًا لصديقه، وارتكب محرمًا، وأساء لنفسه.

ثانيًا: كشف المتعدي لمجتمعه وللعامة أنه مفقود الثقة، يُخاف من صحبته وتُخشى عواقبها عند وقوع اختلاف معه، فيحذرونه حتى لا يُلدغوا ويصابوا كصاحبه المذكور. وإن ظنّ نفسه يصحب من لا يخطئ أو كأن آية التطهير نزلت فيه مع أهل الكساء عليهم السلام! أما نحن ففيـنا الجاهل والغافل والخطّاء، وما أنت المنزه دونهم. وينسب للشافعي أنه قال:

«لسانُكَ لا تذكرْ به عورةَ امرئٍ *** فكلكَ عوراتٌ وللناسِ ألسنُ
وعيناكَ إن أبدتْ إليكَ معايبًا *** فدعها وقل: يا عينُ للناسِ أعينُ
وعاشرْ بمعروفٍ وسامحْ من اعتدى *** ودافعْ ولكنْ بالتي هي أحسنُ»

ثالثًا: علينا أن نتحلى بالإيمان والمصداقية وحسن التعامل في الرضا ووقت الغضب، ونبتعد عن الفجور في الخصومة: «معاشرةٌ بمعروف أو مفارقةٌ بإحسان». لنكن من حملة الضمائر المفلحين.

وختامًا بما بدأنا:
«احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة، فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة».


error: المحتوي محمي