01 , أبريل 2026

القطيف اليوم

من القديح إلى وسط العوامية… أفراح أبوالرحي تربك صمت «أبيض وأسود» بلوحة تصرخ من الداخل

دفعت الفنانة التشكيلية أفراح حسين أبوالرحي بعمل جريء إلى صدارة النسخة الرابعة من معرض «أبيض وأسود»، مقدّمة رؤية تُجسّد هشاشة الإنسان وقسوته في آن واحد، عبر لغة رمزية كثيفة تعيد طرح أسئلة الوجود والألم والبحث عن المعنى.

وقدمت الفنانة حضورًا مختلفًا داخل المعرض من خلال عملٍ ينفذ إلى الداخل قبل أن يستعرض الشكل، ليتحوّل الجسد فيه إلى مساحة اعتراف صامت تُفصح عمّا يختبئ خلف التعب اليومي من جراح غير مرئية، بينما تظهر الأطراف المعلّقة والخطوط المتكسّرة كأنها صدى لانهيارات خفية لا يجد الإنسان وسيلة للتعبير عنها سوى بصمتٍ أثقل من الكلام.

وذهبت أبوالرحي في لوحتها إلى أقصى درجات الاختزال، فظهرت الأيدي والأقدام كأنها أجزاء منفصلة من حكاية واحدة، معلّقة بين السماء والأرض، بينما بدا الوجه في أعلى اللوحة مستسلمًا لثِقل العالم، بتفاصيل بسيطة لكنها مشحونة بمعانٍ رمزية حول الانطفاء والصمت. واعتمدت الفنانة على ملمس خشن وطبقات لونية متداخلة، جعلت السطح يبدو كجدار يحمل ندوبًا قديمة لا تزال تنزف بصمت.

وحرّكت الفنانة ألوانها عبر الأبيض والأسود بتوازن محسوب؛ فترك الأبيض فجوات من الضوء المنكسر، بينما منح الأسود العمل عمقه وامتداده النفسي، لتبدو اللوحة كأنها مواجهة مفتوحة بين محاولة البقاء وضغط الانهيار. وتقدّم العمل بتكوين عمودي يضغط العين نحو الأسفل، في محاكاة ذكية لثِقل التجربة التي ترويها اللوحة، فيما جاء حضور الأصابع في الأسفل كتذكير بالاتهام، أو الإشارة، أو الصمت القاسي الذي لا يجد طريقًا للكلام.

وبنت أبوالرحي عملًا يقترب من التعبيرية الحركية؛ إذ جاءت الخطوط المرتعشة والظلال النازفة وكأنها نبضات مضطربة تنطق بما لا تستطيع الكلمات قوله، ليتحوّل الجسد في اللوحة إلى نصّ بصري يختزن الخوف، والتعب، والانكسار، وفي الوقت نفسه يبحث عن لحظة نجاة. وتُظهر هذه الاشتغالات قدرة الفنانة على نقل التجربة الإنسانية بأقصى درجات الصدق، دون حاجة إلى تفاصيل متكلفة أو زخارف تُخفّف من أثر الحقيقة العارية.

ومع هذا البعد التشكيلي والرمزي الذي تقترحه القراءة البصرية للعمل، قدّمت الفنانة أفراح أبوالرحي لـ «القطيف اليوم» رؤيتها الخاصة للّوحة بوصفها تجربة تنبع من الداخل قبل أن تتجسد على القماش، إذ تشير إلى أن القدمين والذراعين في العمل ترمزان إلى الألم والثقل والمعاناة، وأن الملامس الخشنة والألوان الباهتة جاءت لتعكس «جسدًا فقد طاقته وحياته»، فيما تمتد اليد الأخرى بوصفها بصيص أمل يقاوم الانهيار.

وترى الفنانة أن العمل يتحرك بين «عالمين مختلفين: الوجود والعدم»، وأن الرسالة التي يحملها ليست مجرد تصوير لحالة ألم، بل محاولة للقول إن الرجوع غير مقبول لأن الألم لا يزول، وأن الوقوف على حافة الماضي مذلّ ومؤلم، فيما يبقى التقدّم وحده خيار البقاء… ولابد للإنسان أن يكون لنفسه كل شيء. وهكذا تتقاطع رؤيتها مع القراءة الفنية عند مفاصل عدة، بينما تمنحها تجربتها الشخصية بعدًا أكثر حدّة وصدقًا في التعبير عن ثقل اللحظة الإنسانية.

واحتضن معرض «أبيض وأسود» هذا العمل ضمن باقة واسعة من المشاركات، حيث افتتح مساء الخميس 22 جمادى الأولى 1447هـ في المركز الثقافي بمشروع الرامس بوسط العوامية، بمشاركة أكثر من أربعين فنانًا وفنانة قدّموا أعمالًا تنوّعت بين الواقعية والتجريد والتعبيرية والطبيعة الصامتة والمنحوتات تحت ثنائية الضوء والظل.

ويتواصل المعرض حتى الاثنين 17 نوفمبر 2025م، من الساعة 7 حتى 10 مساءً، مقدّمًا مساحة مفتوحة للتأمل في جماليات اللونين ومعانيهما العميقة.




error: المحتوي محمي