01 , أبريل 2026

القطيف اليوم

بركان الغضب

يُعدّ الغضب من أبرز الإثارات التي تجمع بين التفاعلات الآنية للجسد والعقل والنفس, كلها مشتركة, في رمشة من عين الزمن, فيعبر الانسان عما بداخله بلهجة عاطفيةً "بركانية" جامحة. هذا التحول المفاجئ الطارئ قد تولد داخليا للتو, ثم ما لبث أن تجلى للعلن في استجابة لإلحاح وحاجة فسيولوجية وبيولوجية ونفسية معقّدة. انه يسعى بذلك لان يدفع ويترجم ويعبر عن كمية ومخزون من ذلكم الشعور المكبوت الذي تكدس في داخله نتيجة لإحساسه بالتهديد أو الإهانة أو الإحباط, فتراه فجأة وبدون أي مقدمات يثور وينفجر بركان غضبه. نسعى من خلال هذا المقال الى تسليط بعض الضوء على زوايا مظلمة من الغضب, بشقيه الممدوح والمذموم. 

نود ان ننقل ما يقوله العلماء في بحثهم لحالة وديناميكية الغضب, بغية الوصول لفهم ادق للتفاعلات الداخلية قبيل بروزه طافيا للعلن. من الناحية الفسيولوجية يبدأ الغضب في الدماغ عندما تنشط اللوزة الدماغية التي ترصد الخطر فتُرسل إشاراتها إلى منطقة ما تحت المهاد. عندها يُفعَّل الجهاز العصبي الودّي، فتفرز الغدتان الكظريتان هرموني الأدرينالين والكورتيزول، وبالنتيجة يرتفع ضغط الدم، وتتسارع نبضات القلب ويزيد التنفس. الان ندخل مرحلة توتر العضلات استعدادًا “للهجوم أو الدفاع”. هذه العملية، وإن كانت في غالبها دفاعية، الا انها وخصوصا مع التكرار, قطعا ستُنهك الجسم، مما قد يؤدي إلى بروز اعراض إرهاقٍ في القلب والجهاز العصبي.

ماذا عن الناحية البيولوجية؟ يقولون ان الغضب هو بمثابة تفاعلٌ كيميائيٌّ عصبيٌّ يشارك فيه عددٌ من النواقل العصبية أهمها الدوبامين والنورأدرينالين والسيروتونين. ففي الوقت الذي يمنح الأدرينالين طاقةً مؤقتة وردّة فعلٍ سريعة، الا ان استمرار إفراز الكورتيزول يرفع من مستوى السكر في الدم وبالنتيجة يضعف المناعة، مما يجعل الجسم في حالة توترٍ دائم. لذلك يُعدّ الغضب المزمن أحد العوامل السلبية لزيادة احتمالية الإصابة بأمراض القلب والقلق واضطرابات النوم.
من الناحية النفسية، يُصنَّف الغضب على انه انفعال ثانوي طارئ ناتج عن مشاعر عميقة بالإهانة أو الخوف أو فقدان السيطرة. فإذا لم يتم التعبير عنه بأسلوبٍ "حضاري" واعٍ، فمن الممكن ان يتحول إلى انفجار عدواني "بركاني" أو على اقل تقدير الى كبت داخلي, وكلاهما مر. فهو في كلا "السناريوهين" لايزال يقبع تحت طائلة الخطر واسر الضرر. وبالنظر للطرف المقابل, قد يدمّر الغضب جسور العلاقات الأخوية التي كانت قد بنيت خلال عقود. أما أثره على الشخص الغضبان نفسه فهو بمثابة معول هدم داخلي يبرز على صيغة أعراض او امراض جسدية ونفسية. وعليه فان المطلوب هو امر بين امرين بلا افراط ولا تفريط. في الوقت الذي نقر فيه بان لك مطلق الحق في التعبير عن غضبك نشدد على ان يكون الرد بأسلوب متزن, وهذا ما يمثل أعلى درجات النضج الانفعالي.

بقي الكلام عن الصعيد العقليّ والعصبيّ. فبينما يضبط الفصّ الجبهي انفعالات اللوزة الدماغية, الا انه عند حدوث حالة الغضب الشديد فان نشاط هذا الفصّ يضعف بشكل مؤقت, "فينحني" التفكير إجلالا لجموح الانفعال. ومع هذا فان من رحمة الله بعباده ان مكنهم من القدرة على التدريب على التحكم التنفيذي والذي يساعد على إعادة حالة التوازن، فيبقى القرار في قبضة العقل ويفلت من اسر الغريزة, إذا أراد الانسان ذلك. (ان الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بانفسهم). وتُظهر دراسات “الهندسة العصبية” أنّ الدماغ يمكن إعادة برمجته بالتمارين المنتظمة كالتنفس العميق والتأمل الذهني، مما يزيد من كفاءة الاتصال العصبي بين مناطق القرار والانفعال، ويجعل السيطرة على الغضب عمليةً بيولوجية قابلة للتعلّم.

ويتطابق ذلك مع ما حث عليه الدين الحنيف مرارا وتكرارا وبإلحاح منقطع النظير, فهو ينظر لحالة الغضب من خلال عدسة القوةٍ الفطريةٍ الطبيعية. لم يطالب يوما بإلغائها او تسفيهها او كبتها, بل نادى وحض على مرتكز التهذيب والتمرين والتشذيب والتحكم ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 134). فحدد اقل الدرجات وهي كظم الغيظ, وللخواص درجة اعلى تتمثل في العفو عن الناس, اما المخـلَصين الهادين المهديين فانهم لا يرضون الا بأعلى الدرجات وهي مقابلة الإساءة بالإحسان.
قبل ان ننهي حديثنا لابد من التفريق بين نوعين من الغضب, فهناك ما هو مذموم منه وهناك ما هو ممدوح. المذموم ما كان للنفس والانا وللصنمية والفرعونية التي تنشأ وتترعرع وتتربع في داخل كل منا, فتصور لنا بأننا مركز الكون وبان الكون قد خلق من أجلنا وباننا المعصوم الذي لا يخطئ والسيد الذي يجب ان يطاع! وهذا ليس ضربا من المبالغة او الخيال, بقدر ما هو محاولة لتوصيف ادق لحالتنا جميعا ونحن بصدد الدفاع والهجوم المضاد حين نشعر بالمس من "شخصنا المقدس".  هنا المطلوب كعلاج لهذا الميل الذي قد يطرأ علينا أحيانا كبشر نخطئ ونصيب ونغضب, هو التطبيق الحرفي للجهاد الاصغر على المستوى الشخصي من بوابة الآية الكريمة ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

وفي المقابل هناك النوع الممدوح وهو ما كان لله وفي الله ولأجل الله, غضبا لانتهاك حرمة او بسبب التجاوز على أوامر الشارع المقدس ونواهيه. لابد من التشديد هنا على كيفية وطريقة وماهية ردة الفعل بحيث لا نخرج عن دائرة الغضب الممدوح. اذ حدد الإسلام لذلك ثلاث مراتب باليد واللسان والقلب, وكلها مراتب حضارية واعية مدروسة وتراتبية متدرجة على حسب الحاجة والموقع والمسؤولية والظرف, بعيدا عن البربرية والعنف والكراهية, (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن).


error: المحتوي محمي