كنتُ أظن أن الأشخاص أصحاب الهمم والقيم والمبادئ والأخلاق العالية، لا يرحلون فجأة وعلى غفلة هكذا، وبسهولة وسرعة! حتى جاءنا خبر وفاتكِ يا نوال، الخبر الذي أبكى كل من عرفك، وترك حزنًا عميقًا في قلوب محبيك. فأنتِ امرأة قلّ أن يجود الزمان بمثلك.
كم كنتِ إنسانة استثنائية بكل ما للكلمة من معنى! كنتِ يا نوال استثنائية بتواضعك، وابتسامتك، وبساطتك، واحترامك للآخرين. هذا ما لمحته ولمسته في تسابق الدموع، وتدافع الحضور للعزاء. ومع غيابك الكبير، ورغم فاجعة فقدك، إلا أن عزاءنا أنكِ غادرتِ الدنيا بسلام وسكينة. وبعد أن هدأت الصدمة، وقبل أن أكتب كلمتي هذه، كنتُ أتساءل: هل لكِ سرٌّ عند الله؟
تحضرني هنا معادلة الموت باختصار كما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش:
“الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء.”
وإن جميع أحبابك يا نوال قد توجعوا برحيلك المفاجئ السريع المرّ، الذي لم يكن في الحسبان. ولكن، لِمَ استعجلتِ الرحيل دون استئذان أحبابك؟! أردتُ فقط أن أقول: إن كان ينبغي عليك أن تتواري عن الوجود، فليس لأنك تحبين الغياب، بل لأنك في انتظار عظمة نقاء وبهاء لقاء الله، اللقاء الذي يمثل كل شيء لمن يدرك قيمته وعظمته.
لا أخفي عليكِ يا نوال، لقد شعرتُ عند رحيلك بحرمان أولادك وبناتك وأخواتك منك، من طعم الحياة والحنان والحماية. وبرحيلك أيضًا، انكسر خاطرهم وخسروا وجودك، ولكن هكذا أراد الله لكِ.
ولي كلمة على استحياء للعزيزات كريمات الراحلة نور، ومريم، وضحى…
كنتُ أتوجع بصمت وأنا ألمح عمق الحزن والبكاء على فقد الوالدة. ترَين، أَكثيرٌ عليكن البكاء والحزن عليها؟ وها أنا، عزيزاتي، بعد رحيل والدتي التي مضى على فراقها أربعة عشر عامًا، كنتُ أضمّ رداء صلاة أمي، وأشمّ رائحة عطرها الخجول كبخور العود، الذي لا يزال عبقه في ذاكرتي، وحينها تهدأ نفسي.
نامي قريرة العين يا نوال، فحب الجميع لكِ خيرُ دليل على إنسانيتك وصدق عطائك.


