بعد أن أوصلت ديمة خالتها إلى حجرتها , حيث استقرت مطمئنة النفس ، مسترخية في فراشها ، وتقرأ شيئا من الذكر في بسبتها ، هبت تكنس الحوش الواسع بهمة وعناية ،وتجلي الممرات بخفة لافتة . ثم ذهبت الى الغرفة التي قضت فيها أيام وليالي من التيه والعزلة عن العالم المحيط بها ، أول فعل قامت به تحطيم القيود و الأعقاب الخشبية التي كانت تقيد أحاسيسها وإرادتها ، وازالت كل أثرٍ يذكرها بما كانت عليه ، وأغلقت المرحاض الذي كان ينتهك أدميتها ، ثم أزاحت الأغطية التي كانت تحجب الضوء عن النافذة الوحيدة ، وعندما شعرت بشلالات الضوء يتسلل اليها نظرت إلى أفق السماء البعيدة ،فراحت دمعتين تنسكبان ببطء شديد من مقلتيها، تلتها أنفراجة باسمة أضاءت وجهها ، وأشرق نور ساطع من فوق جبينها ، جعلها تتحرك نحو الخطوة التالية بحماس وأمان وأمل جديد.
قالت لنفسها ؛ حان الوقت لفرش الحوش و الممرات بالبسط و السجاد المتوفر ،و وضع الأريكة القديمة في مكان لائق ، ولكن لابد من اخذ الإذن من أبنة خالتي مريم ، التي لم أرها من سنوات بالرغم من مشاركتنا هذا المنزل ، سأخاطبها من وراء النافذة عسى أن تجيبني أريحيتها المعهودة"
طرقت النافذة طرقات خفيفة ،وأنتظرت الجواب الذي جاءها بهدوء من مريم " هل انت يا ابنة خالتي ديمة ؟، هل من خطب ؟ "
أنا مستحية من مخاطبتك يا ابنة خالتي مريم ، لكني اردت استأذنك في أمر يخص فرح أبنتنا الغالية وحيدة ، وأشعر بوجعكم أنت و زينب!
- قالت مريم بصوت هادئ:اليوم هو فرحنا جميعا بأبنتنا " وحيدة ، ليتني كان بمقدوري مساعدتك والوقوف بجانبك!"
- لا عليك يامريم ، كل شخص حسب قدرته ،اردت أن أخبرك بأنني ساضع الأريكة قبالة باب غرفتكما ، أرجو أن لا اسبب لكما ازعاجاً .
قالت مريم والفرح يبدو على لسانها ؛ لأعليك يا ديمة ، هناك مفاجأة لكم جميعا ، سنرتدي ملابس جديدة أحضرها لنا أخي " زوجك " الشهم ، وسنفتح هذه الغرفة اليوم للفرح ، ويمكننا المشاركة حتى ولو كانت زينب متعبة ، ولكنها تصر على الفرح مع وحيدة "
- غير قادرة على تصور مدى سعادتي بهذا الخبر المفرح يا بنات خالتي ، ومهجة فؤادي .
- قالت مريم والحديث لازال من وراء النافذة: قررنا أنا وأختي أن يكون لنا ذكر في هذا اليوم ، وحيدة ابنتنا أيضا ، فليس لدينا ابناء غيرها "
- قالت ديمة هذا شيء يثلج الصدر ثم واصلت نشاطها ،
- انجزت كل ما كان مطلوباً إنجازه ، فلم يكن العمل شاقا بالمعنى الحرفي للكلمة ،بل كانت تزداد حيوية كلما اقترب وقت مجيء الحافلة التي أقلت وحيده وصديقاتها وضيوفها إلى " عين العياشي" ، ولما وصلوا ومعهم " الطقاقات " بالدفوف ، والابتهالات و الأناشيد والأهازيج المحلية ، كان البيت يضج فرحا ، و وحيده بينهم كطاؤوس في أبهى حلله .
- أمتلئ الحوش بالنساء والأطفال والفتيات ، كانت الزغاريد تتوالى مع كلّ ابتسامة تصدر من وجه وحيده أو أمها ديمة ، كل ناحية من المنزل كانت تعج بالفرح ، حتى أبخرة شجر العود ( الاغاروود ) قد استساغتها ديمة التي كانت تكره روائحها في الماضي ، واختلطت روائحها مع باقات الياسمين والريحان و زهور ورد المحمدي و الأرجوان مع عطور السيدات الفواحة الذي أضفى على المكان طابع مميز وعبق بروائحه الزكيّة .
- مازاد من البهجة خروج زينب من الغرفة مدفوعة في كرسي بعجلات لامعة تسير به اختها الصغرى ، و تتبعهم من الخلف مريم بعكازين جديدين ، مرتديات فساتين زاهية بألوان الفوشيا والأزرق القرمزي ، قامت أختهما الصغرى بمساعدتهن على الارتداء، كما قامت بتزيينهن ، ووضع احمر خدود على وجناتهم المنتشية ، هلل وكبر الجميع ، وصفقت الفتيات الصغيرات لرؤيتهن وجها لوجه ، وارتفعت اصواتهن بالضحك والغناء ،حتى الأم العجوز قد ابتسمت وهي في فراشها الذي لازمته ذاك اليوم ، وبدت عليها علامات الفرح والامتنان،حتى وإن لم تستطع مشاركتهم الأفراح ، إلا أنها كانت سعيدة وجدانيا.
- في خارج المنزل وصل العريس الشاب على خيل اشهب اللون ، يزفه العديد من رفقائه وأصحابه وجمع كبيرا من الناس ، وعندما وصل إلى ساحة قبالة المنزل ، الذي يفصله عنها قناة مائية ضيقة تمتد حتى مجراها النهائي في البحر ، كانت شمس الأصيل لازالت تضيء السماء ، عندما بدأت فرقة العرضة الضرب على الطبول ، وكان أعضاءها متماسكين في زيهم الرسمي ، حاملين السيوف ، متحزمين بالخناجر وهم يؤدون رقصاتهم الشعبية البهيجة ، ويدورون حول العريس الذي تدفقت الدماء في وجهه خجلا من كثر ما أحاط به الناس مهللين ,
- في الوقت نفسه ، وقف والده و عمه الشهم ،والد وحيده ، ومعهما الإخوان الاخرين بزبهم الرسمي الكامل ، كانوا مرتدين بشوت سوداء مطرزة بقصبات مؤطرة بالذهب ، وثياب جديدة ناصعة البياض ، وقفوا في صف واحد لاستقبال جموع المهنئين، تعتلي وجوههم البشر و السرور .
- كانت أصوات الطرب تسمع بشكل واضح وقوي في المنزل الذي يقيم فيه النساء حفلتهم بالتوازي مع حفل الرجال ، حينها توقفت الطقاقات ، وصارت النسوة يرقصن ابتهاجا على أيقاعات طبول العرضة ، حتى مريم و أختها زينب أنتشين طربا ، وكانت ديمة في أوج سعادتها ،فكانت تحتضن وحيدتها كلما رأتها ودموع فرحها يسيل بكحلتها على وجنتيها الصغيرتين.
- في احدى المرات وهي تحتضنها ، سألتها أبنتها ان كانت قد جهزت أغراضها للانتقال معها هذه الليلة إلى القسم المخصص اليهم من بيت عمها، فأجابت والحيرة ظاهرة على محياها " وماذا عن جدتك وعماتك المريضات ؟ من الذي سيرعاهم؟ هل من المقبول أن اترك الخالة التي ربتني وأنا صغيرة تصارع شيخوختها، وترعى عماتك وهما على هذا الحال ؟
- رأيت يا أبنتي ، وأنا أتماثل للشفاء بسبب الأدوية التي أتناولها ، أن يكون موقفي يرفع رأسك عاليا ، أن أبقى هنا معهم ، وأساعدهم ، فهناك بوادر مشجعة لتماثل عمتك مريم للشفاء ، وأمل أن تتبعها عمتك الأخرى زينب ، فقد قرر والدك من يوم غد الانتقال إلى هنا ، إلى بيته بعد أن غادرت زوجته الأعجمية إلى ديارها .
- ارتسمت أبتسامة الفخر على وجه العروسة وحيدة، وقبلت يد أمها باعتزاز وحب وحنان، وهزت رأسها بالامتنان، قائلة " لن نكون بعيدتين عن بعض يا أمي، يا مصدر سعادتي وفخري ، عندها أحتصنتها أمها وراحتا تذرفان دموع الفرح سوية إلى أن أجلست أمها بجانبها ، بينما ازدادت شعلة الفرح من كل حدب و صوب .
- لم ينقص الفرح إلا غياب الجدة التي قبعت في فراشها ، والباب مغلقة عليها حسب طلبها .
"في اليوم التالي من زفاف وحيدة، صدم الجميع وفاة الجدة، التي تركت فراغًا كبيرًا في قلوب أفراد الأسرة. ديمة كانت حزينة، ولكنها لم تترك بنات خالتها، بل زادت من عنايتها بهن، خصوصًا زينب التي بدأت تظهر عليها علامات الشفاء بفعل تواصل ديمة معها والوقوف إلى جانبها. أصبحت ديمة أكثر قوة وتفانيا وصبرا في رعاية من حولها .
وعندما القت ديمة نظرة الوداع على خالتها ، قالت كلمتها المؤثرة ( ألان أصبحت ديمة اليتيمة بحق، لاشيء سوف يعوض فراقك يا أم الجميع )
انتهت القصة .
* لازالت ديمة وهي في شيخوختها تتمتع بقوة ونشاط ، وذاكرة ممتازة ، ومازالت البسمة رفيقة لروحها الطيبة.
انتهت القصة


