بعد أن شهدنا معاً ذلك المشهد الغريب في فناء البيت الشرقي، حيث وقف الطفل مع جدته في ليالي البدر يشاهدان عالماً من الأعاجيب، ها نحن نعبر معهم إلى الجزء الغربي من البيت، حيث تكتمل الحكاية وتتوالى الغرائب. ففي تلك الليلة الباردة، عندما قررت الجدة أن تأخذ حفيدها في رحلة جديدة إلى عالم الظلال والأسرار، كانت المفاجأة تنتظر خلف الأبواب المغلقة.
يقول صاحب القصة: في منتصف إحدى الليالي، أيقظت الجدة حفيدها الصغير وقالت له: "تعال معي إلى البيت الغربي".. كان يفصل البيت الشرقي عن البيت الغربي ممراً مظلماً كالدهليز وباب خشبي مغلق بقفل حديدي .. حاولت الجدة فتح الباب ومعالجة القفل الحديدي الذي يتدلى منه مسمار طويل، فصدر صرير عند فتحه يشبه صوت ساعة قديمة تعلن منتصف الليل، فدخلا و تقدّمت الجدة ممسكة بيدي حفيدها نحو فناء غارق في الظلال، مشت قليلاً حتى توقفت عند مدخل المطبخ الذي كان بلا أبواب. تنفست بعمق، ثم نادت بصوت خافت باللهجة المحلية: "أجاويد... أجاويد!" نداء لأهل الدار لم يجبها أحد، لكن الطفل لمح شيئاً يتحرك داخل المطبخ. اقترب بخوف وفضول، ليشاهد مشهداً لا ينسى: امرأة طويلة القامة ترتدي عباءة سوداء ، يتصاعد من حولها دخان رمادي اللون، تعكس نار الفتيل وجهها كأنه ظل دخان.. كانت تطبخ قدرا على النار وبنفس الوقت كانت تقطع البصل بسكين حادة على منضدة خشبية تُعرف باسم "الشبلية". وخلفها كان طفل صغير يمسك بطرف عباءتها، يختبئ خلفها بعينين حمراوين تتوهجان كالجمر. تجمّد الطفل في مكانه، بينما همست الجدة قائلة: "دعنا نتركها في حالها، إنها تطبخ الطعام ولانريد مضايقتها". لكن الفضول غلب خوف الطفل، فسأل جدته: "من هؤلاء يا جدتي؟ ليسوا مثل أولئك الذين رأيناهم يرقصون ويغنون حول النار". أجابته الجدة بصوت غامض: "حين تكبر ستفهم... منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، ولن ترى إلا الصالحين إن بقي قلبك طاهراً".
في الختام ، يبقى السؤال معلقاً: هل ما رآه الطفل كان من عالم الحقيقة أم من ظلال الخرافة؟ قصص كهذه تتناقلها الألسن جيلاً بعد جيل، بين من يصدقها ومن يكتفي بالدهشة.


