تعرفت على المرحوم الحاج السيد كاظم بن السيد يوسف بن السيد حسين آل حسين منذ كنت طالباً في المدرسة، حيث كان المرحوم يحضر منزل الحاج عبد الكريم بن علي الحجري ومعه الحاج حسن أكفير أبو علي وأخوته، يحضرون يوم العيد لتناول وجبة الغذاء، ولكون منزلنا ملاصقاً لمنزل الحجري فقد كان يدعونا أيضاً لتناول غذاء العيد. هناك تعرفنا على السيد أبو ضياء، ولكن هذه العلاقة كانت محصورة بهذه المناسبة فقط.
في عام 1407هـ ــ 1987م، ولظروف ما التحقت بمؤسسة المرحوم سعيد آل سليس بوظيفة كاتب في المفرش أو المبسط، فكانت فرصة لتجديد العلاقة مع السيد. فكنت في ساعة الهدوء وتوقف حركة البيع مؤقتاً (طبعاً كان العمل يبدأ من الساعة العاشرة ليلاً حتى الفجر أو طلوع الشمس) أذهب إلى مفرش أكفير وأسلم على المرحوم الحاج حسن أكفير وعبد الكريم الحجري وكذلك السيد العزيز أبو ضياء.
ولكون السيد أبو ضياء متعاقداً مع الشركات والمؤسسات في الرياض لتزويدها بالأسماك والروبيان، فقد كان يشتري طلباته من جميع مؤسسات المفرش، ولهذا يُعتبر أحد العملاء الكبار فكانت له معاملته الخاصة.
في عامي 1418هـ و1419هـ ذهبت للحج مع حملة معروفة، وكان في إدارة الحملة الأخ الصديق المعلم أحمد البحراني والزميل جمال السني والمعلم عبد الله الربح والمرشد سماحة الشيخ محمد الصفار، وكان السيد أبو ضياء يحج معهم، فكانت الفرصة ممتازة لتعميق العلاقة مع السيد كاظم.
في عام 1421هـ ــ 2001م ذهبت مع الأخ أحمد البحراني لمنزل السيد أبو ضياء الكائن في حي الشريعة خلف سوق الذهب. وللمعلومية، منزل السيد عامر ومفتوح كل ليلة للأصدقاء والضيوف، والسيد يمتاز بالخلق الجم والكرم ويُحسن في إعداد الشاي المخدر مما يشجعك على الشرب أكثر من مرة. بل ولا تشعر بتكلف وأنت تزور هذا السيد الجليل في منزله، وقد أطلق عليه الشيخ محمد الصفار “بيت الحلى”.
وباعتبار أن السيد كاظم حينما كنا معه في الحج لم يكن راضياً على مستوى الخدمات التي تقدم من الحملة، لذلك عرضنا عليه الانضمام معنا في إنشاء حملة جديدة (حملة البيان)، فوافق بشرط أن تهتم الحملة بالحاج وتقدم له أفضل الخدمات، وأن لا تكون أهداف الحملة مادية بحتة. لذلك معظم السنوات بعد الحج يطرح محاسب الحملة الزميل أبو مالك المناسف تقريره المالي موضحاً مقدار العجز، وهنا يدفع الأعضاء برحابة صدر ما يترتب عليهم. فيقول المناسف: “هذه حملة حاتم الطائي”.
تقوم الحملة بعد الشؤون الإدارية والمالية على أربعة أركان: الإرشاد الديني، والتغذية، والنقل، والسكن. وقد أسندت للمرحوم السيد كاظم مسؤولية التغذية كاملة لكونه طباخاً من الطراز الأول وبصيراً في اختيار المواد الغذائية. فكان قبل موعد الذهاب إلى مكة المكرمة يشتري الأسماك والروبيان واللحوم والدجاج من البلد ومن أشخاص معروفين، ويجهزها بالطريقة المناسبة ويحفظها في الثلاجات الكبيرة بالأجر حتى موعد نقلها للبلد الحرام. كما يذهب برفقة صاحبه مسؤول المشتريات الزميل جمال السني (عافاه الله) إلى دولة البحرين لشراء ما يلزم من بهارات مخصوصة وأنواع الشاي، ويشتري الأباريق والمناقل ذات الجودة العالية. هذا ديدن السيد: لا يشتري إلا الراقي من الأدوات والمواد والأطعمة، له نفس شريفة غنية.
في إحدى السنوات قررنا عمل هدايا لحجاج البيان من الحقائب والقبعات وغيرها، فذهبت أنا والسيد وجمال السني إلى سوريا. وهناك ذهبنا لمصنع الحقائب والقبعات فكان السيد هو القائد، وإذا حان وقت الغذاء يأخذنا إلى المطاعم الراقية لعلمه بها وبمستوى الطعام عندهم. السيد، شهادة لله، كريم على نفسه، نراه يشتري له ولعياله من أفضل الملابس والمأكولات.
السيد أبو ضياء من أول يوم يصل إلى مكة المكرمة وبعد أداء العمرة يشرع في تشغيل الكوادر في المطبخ وتجهيز أدواته، ويقوم هو بتجهيز موقع البوفيه للحجاج بطريقة مختلفة عن العام السابق وبأقمشة جديدة. أبو ضياء فعلاً صاحب ذوق عالٍ.
يومياً بعد صلاة الفجر يذهب المرحوم السيد مع مسؤول المشتريات جمال في سيارة مستأجرة للحملة يتبعهم السائق بَله صاحب سيارة نقل وهو أيضاً مستأجر للحملة، يتوجهون إلى السوق المركزي في الشوقية بمكة لشراء الخضروات والفواكه اليومية الطازجة. نفس السيد كريمة، لا يشتري إلا الممتاز وإن غلا.
معظم مسؤولي الحملة لا ينامون فترة الحج إلا ساعات قليلة، والسيد عليه الرحمة لا ينام إلا ساعات متقطعة. فتراه بعد أن يكمل طبخ الفطور يأخذه أو يأمر بأخذه إلى البوفيه (بوفيه خاص للرجال وآخر للنساء). وبعد الفطور يشرف على وجبة الغذاء وهكذا دواليك. وللعلم، السيد هو الذي يعد قائمة الطعام اليومي وقد يدخل عليها بعض التعديلات متى ما لزم الأمر. ومع هذا كله تراه لا تفوته زيارة البيت الحرام كل ليلة، يستحم ويلبس أحسن الثياب ويذهب مع الحجاج، وهناك يتعبد بصلاة الليل والطواف المستحب وقراءة القرآن والأدعية المخصوصة، ليعود بعد منتصف الليل مع الحجاج فينام ساعتين أو أكثر ويقوم قبل صلاة الفجر للإشراف على الفطور وتجهيزه.
من التعب الشديد أحياناً كثيرة لا يأكل من المطبخ، لذا قمنا بإحضار ثلاجة صغيرة في غرفتنا التي تضم في العادة (أنا وأبو ضياء وجمال السني وأحمد البحراني). فكان السيد يرحمه الله يشتري من ماله الخاص ما يحتاجه من مأكولات خفيفة يتناولها وقت راحته.
السيد أبو ضياء واقعاً يُبدع في تقديم البوفيه في المشاعر المقدسة، وأعني عرفة ومنى، مع صعوبة إيصال الطعام طازجاً للمخيمات مع الازدحام الشديد. بعد الغذاء يأخذ السيد ركناً من المخيم ليقدم لحجاج البيان الشاي المخدر الذي لا يقاوم.
طوال فترة حملة البيان (قرابة 13 سنة) كانت علاقة السيد مع الإدارة والكوادر ممتازة جداً، فلم يصدر منه موقف أو كلام أزعج فيه الآخرين، ولم يصدر منه كلام على أحد في حاضره أو غيابه بسوء. وكان رحمه الله يحج كل عام نيابة عن إمام معصوم من العترة الطاهرة.
قام السيد أبو ضياء بإعادة بناء منزله في كربلاء المقدسة، فصار يمكث بجوار جده المولى الحسين عليه السلام قرابة ستة إلى ثمانية أشهر. وخلال فترة تواجده هناك كان بيته مفتوحاً للضيوف من زوار البلد أو أبناء العراق.
مع بداية افتتاح منزله بعد التجديد استضاف إدارة العتبة الحسينية وقام بتكريمهم. وطوال فترة تواجده في كربلاء الحسين لا تفوته صلاة الليل في الحائر الحسيني، وصلاة الجماعة في الصف الأول خلف إمام الجماعة سماحة الشيخ عبد الأمير الكربلائي. والسيد يرحمه الله له مكانته واحترامه عند العتبتين وأهالي كربلاء المقدسة.
حينما يحل عليه شهر رمضان المبارك وهو في كربلاء المقدسة، يقوم بتقديم وجبات إفطار صائم في الحرم الحسيني كل ليالي الشهر الفضيل.
السيد كاظم آل حسين لديه مضيف ومن ماله الخاص يقدم الطعام لزوار الحسين عليه السلام خلال أيام عاشوراء وكذلك الأربعين. يقدم الرز من النوع الفاخر جداً ولحم الغنم اليومي الطازج وصالونة القيمة (الكاورما)، وهو الذي يتولى الطبخ ومعه من يعينه. وللعلم، السيد طباخ من الدرجة الأولى.
عندما تجلس مع السيد أبو ضياء ترتاح كثيراً لحديثه وسوالفه حتى لو سمعتها مراراً. وكنت أتعمد أن أسأله عن قصة ما سمعتها منه سابقاً، فيبدأ بسرد القصة بأسلوب شيق وبلهجة عراقية جميلة على لسانه. يقول في إحدى قصصه: أن شخصاً ذهب لزيارة الإمام الرضا عليه السلام في مشهد المقدسة، واحتاج شيئاً ما فأخذ يسأل العجم عن الشيء ولكن باللغة العربية فلم يعرفوا مراده. فتحير (وعلى قولتنا زهق) فأخذ يلطم: “الله يلعنكم يا العجم… حسين مات بكربلاء”. التفت إليه السيد كاظم (وهو يحسن كلام العجم) وقال: فلان، ويش فيك؟ فقال: أريد كذا شغلة، وهؤلاء العجم لا يفهمون. فذهب معه واشترى الشيء المطلوب.
رحل السيد كاظم آل حسين إلى الرفيق الأعلى يوم السبت 21 ربيع الأول 1447هـ الموافق 13 سبتمبر 2025م، ووري الثرى يوم الأحد 22 ربيع الأول 1447هـ في تشييع كبير من المؤمنين، وصلى على جثمانه الطيب سماحة السيد ياسين الصائغ حفظه الله.
بفقده تكون حملة البيان ذات الصيت الطيب في العقد الماضي قد فقدت رابع عنصر هام فيها، كما فقدت من قبله رئيسة اللجنة النسائية الأخت المحترمة سماهر الأحمد أم زينب، وشكري رضوان أبو أحمد، والمعلم أمين آل هاني، عليهم جميعاً الرحمة والغفران، وأرواح المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.



