أطلَّ الشاعر السعودي الكبير السيد عدنان بن السيد محمد العوامي، في مشهد بصري مهيب، وهو يتجول في مشروع الرامس بوسط العوامية في محافظة القطيف، بين مبانٍ تحاكي العمارة التقليدية وتختزن ذاكرة المكان، مردّدًا بصوته الشجي قصيدته الخالدة «وقفة على أطلال خولة»، في مقطع وثّقه حساب «التواصل الحكومي» بمنصة X، ليحتفي بشخصية تعد من أبرز رموز الأدب والثقافة في المملكة.
وتقدّم العوامي بخطاه الواثقة بين المباني المستوحاة من العمارة القطيفية القديمة، التي أعادت تشكيل روح المكان بهوية عمرانية حديثة تنسجم مع ذاكرة المجتمع المحلي، في رسالة تؤكد أن الإنسان والمكان صنوان لا ينفصلان.
وألقى العوامي بصوته الشجي قصيدته الشهيرة «وقفة على أطلال خولة» من ديوانه «شاطئ اليباب»، مستحضرًا شريط الذكريات ومحاور الهوى في ربوع القطيف، حيث قال في مطلعها:
«سلامًا، سلامًا منازلَ خَولة
سلام الخليل تذكَّر خلَّه»
«تذكَّر مدرّج أحبابه
ضِفافًا ومشتل ضوءٍ ونخله»
«وملهى صَبًا سوسنيَّ الأديم
تطوف المواسم بالعشق حوله»
وتظهر القصيدة في حديث العوامي وكأنها كائن يتشكل من الداخل دون تكلف؛ فهي «زهوة لا يُعبث بها، ويُفترض أن تُترك كما هي»، لأنها «امتثال عاطفي يُكتب من غير إرادة الشاعر… ولذلك القصيدة تكتبني».
وينبع الشعر من إحساسه الداخلي، ويجيء طواعية لا افتعال فيه، ما يجعله مؤثرًا ليس على الشاعر فقط، بل على القارئ أيضًا، كما يعبّر في حديثه الذي يفيض بصدق التجربة وانفعالات الذات.
ويعيد العوامي رسم حدود الموهبة الشعرية بعيدًا عن القواعد الأكاديمية، ويؤكد أن من يسأله عن العروض يلقَ منه جوابًا صريحًا: «لو كنت أعرف العروض ما كتبت شعرًا».
ويحمل الفيديو أيضًا إشارات إلى ديوانيه المطبوعين: «شاطئ اليباب» و«ينابيع الظمأ»، حيث نال الأخير جائزة أفضل ديوان شعري في معرض الكتاب، وتسلّمها من وزير الإعلام في احتفالية تكريمية.
وعبّر العوامي عن اعتزازه بالمجتمع الذي نشأ فيه، قائلاً: «إذا أنا لم أنصف نفسي، فمجتمعي أنصفني، بل غمرني بفضله، ويكفي أنني خرجت من هذا المجتمع»، مستشهدًا ببيت نزار قباني:
«إذا قيل عني (أحس) كفاني».
واستعاد العوامي ذكرى كتابته قصيدة في خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمه الله- عند إعلان نيته زيارة القطيف، قائلاً: «وجدت نفسي أمام هذا الرجل، وقلت يجب أن أقول شيئًا»، ثم أنشد مطلع القصيدة:
«مرحبًا مرحبًا وأهلًا وسعدا
كل أكبادنا تقاسيك وجدا»
ووجّه العوامي رسالة للشباب حثهم فيها على خوض كل المجالات دون خوف أو تردد، قائلاً: «لا يوجد ميدان ممنوع أو محظور، كل المطلوب أمران: الموهبة، وأدوات صقلها».
وأكد العوامي انتماءه الوطني قائلاً: «أنا شاعر سعودي، أعيش على هذه الأرض الطيبة، المملكة العربية السعودية، أنتمي إليها، وأتمنى أن أُدفن فيها بعد الوفاة».
وعكست المشاهد البصرية المصاحبة للمقطع روح القطيف قديمًا وحديثًا، عبر لقطات رمزية لأبوابها، ومراكبها، وسواحلها، وكتبها، في إطار فني ينقل القصيدة من الورق إلى الواقع، ويجعل من الشاعر جزءًا من المشهد، لا مجرد راوٍ له.
واكتملت القصيدة حين احتضن المكان صوته، واحتفى الوطن بقلبه، وانتهى المشهد كما بدأ، صادقًا وهادئًا، بصورة ختامية تختزل المسافة بين التكريم والانتماء، بين الشاعر الذي كتب وطنه، والوطن الذي ردّ التحية.
ولم يكن عدنان العوامي في تلك اللحظة، يقف على أطلال خولة فقط، بل على أطلال الذاكرة، محاطًا بأبواب القطيف ومراكبها وضفافها، بصفحات شعره المفتوحة، وبوعدٍ لا يخلفه الوطن: أن من كتب عنه.. لن يُنسى أبدًا.
فيديو
https://x.com/alqhat/status/1969835724519428321?s=46&t=sMdEwA8J5rmOSpn0mBN3jQ


