همست الكاتبة إيمان سعيد الجصاص في أذن من حُرمن من نعمة الإنجاب عبر إصدارها «يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء»، الذي خاطبت فيه قلب كل امرأة تنتظر حلم الأمومة، وتترقب وعد السماء بعين دامعة وقلب ممتلئ بالإيمان.
واختارت الكاتبة عنوانًا قرآنيًا يُشبه الدعاء، وتركته يعلو غلاف كتابها كأنما هو سقف الأمل، ثم بثّت عبره رسائلها الداخلية بأسلوب يشبه المواساة، حيث كتبت «همسات» تشبه ضمادات حنونة للروح، بلغة ناعمة، وعبارات تُضيء في آخر النفق.
وقدّمت الكاتبة عملها بمقدمة متواضعة تفيض صدقًا، فتوجّهت فيها إلى كل من أنهكه الصبر، ومن ظن أن حظه أقل، ومن أرهقه الانتظار، لتقول لهم: ما كتب الله إلا الخير، وما خبّأ في الغيب إلا لطفه، وإن تأخرت الأمنيات.
وأهدت الكاتبة كلماتها إلى من لم يبوحوا بألمهم، وإلى من لا يعلمون أنهم آباء وأمهات في طريق القدر، فجاء الإهداء خافتًا كالدعاء، وصادقًا كرجفة قلب بين يدي الله.
وتوالت فصول الكتاب كأنها دفاتر رجاء، تبدأ بعناوين داخلية تنبض بالمعنى، «أمي، لستِ الوحيدة»، «اعملي خيرًا»، «احظري السلبيين»، «صلي على النبي»، «لن يملّكِ الله»، «عبارة تصنع المعجزات»، وكل عنوان منها كان بابًا يُفتح على طمأنينة.
وأعادت الكاتبة تعريف الأمومة من زاوية أرحب، فأكدت أنها ليست محصورة في رحم أو ولادة، بل تتجلى في عطاء من ترعى والدًا، وتُربّي أبناء أخت، أو تُهدهد قلوب الطالبات بحنان لا يُشترى، فالأمومة شعور قبل أن تكون صفة.
ووجّهت كلماتها للرجل لا لتعاتبه، بل لتشاركه الألم والمسؤولية، ودعته أن يكون سندًا لا حَكمًا، وعقلًا لعاطفة من تُحبه وتنتظر منه الأمان، وبيّنت أن الصبر ليس نسويًا بل إنسانيًا يليق أن يُحمل معًا.
وخاطبت الكاتبة المجتمع من حول المرأة، وطلبت منه بلغة راقية أن يُمسك عن الأسئلة، وأن يكتفي بالدعاء بدل الإلحاح، وأن يدرك أن الخصوصية ليست مجالًا للكلام، بل مساحة للصمت والاحترام.
وزرعت الكاتبة في منتصف الكتاب نصًا وجدانيًا بعنوان «أمنيتي في طفل»، وصفَت فيه تفاصيل حلم أنثوي عميق، حلم يشبه التنفّس، حيث الطفل في قلبها قبل أن يكون في رحمها، وحيث اسمه محفور في مناغاتها قبل أن يُكتب في السجلات.
وأغلقت الكاتبة كتابها بخاتمة مغموسة بالإيمان، قالت فيها إن الله لا يرد دعاء، وإن العطاء حين يتأخر لا يعني الغياب، بل يعني الإعداد لما هو أجمل، وإن كل رجاء مرفوع لله سيعود يومًا مغمورًا بالرحمة.
وجعلت الكاتبة من الكتاب أكثر من عمل أدبي، بل جعلته رفيقًا، يُربّت على من تنتظر، ويقول لها أنتِ لستِ وحدك، والصبر ليس عبئًا بل عبادة، والانتظار ليس فراغًا بل مساحة تُزهِر فيها قلوب لا تنكسر.
ويعد هذا الإصدار هو صوت الكاتبة الرابع في عالم المؤلفات، بعد «قبل أن نلتقي» في أدب الخواطر، و«رسيل» الذي جمع بطاقات وجدانية، و«غارقة في لفافات جدتي» الذي حمل نكهة الحكايات، لتأتي «يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء» كأكثر كتبها نضجًا وملامسة للروح.


