05 , أبريل 2026

القطيف اليوم

جميل أن يشمّ الإنسان رائحة الماضي!

مع بداية شهر أيلول/سبتمبر بدأنا نشم روائح تجهيز بعض المزارعين حقولهم لزراعة الطماطم والخضروات. رائحة السَماد والأرض التي تعود إلى الحياة بعد موت فصل الصيف. بعد أيام تنفتح الأرض في البساتين كأنها صندوق كان يخفي شيئًا يظهره في وقته.

لو كان في أرض القطيف ماء، ماء يكفي ودرجة ملوحته قليلة لكانت من المناطق الزراعية الجيدة لكن ندرة الماء وقصر موسم المطر وكمية الأملاح العالية في مياه الآبار تجعل الزراعة مكلفة وشاقة.

إن الصورة والرقعة الزراعية التي نراها الآن كانت أكبر في الماضي ثم تقلصت بسبب التمدد العمراني وعدم مقاومة المناطق الزراعية المحدودة للحياة ونضوب الماء الذي توفر عبر ملايين السنين تحت الأرض بكميات محدودة ولا يتجدد سريعًا بسبب قلة الأمطار وعدم وجود أنهار مائية.

عائلتنا كبرت في عدة بساتين في جزيرة تاروت لكن تلك البساتين استسلمت للموت بسبب قلة الماء وانحسار الرقعة الخضراء. هي أصلاً كانت بساتين صغيرة المساحة وكان أغلب اعتمادها على النخل لما يعنيه التمر من غذاء قبل ستين سنة للإنسان والحيوانات. كان فيها بعض الأشجار المثمرة لكن ليست كثيرة!

رحم الله والدنا أعطى عمره كله للأرض. اختلطت أنفاسه بالتراب ولم يفكر بتركها أبدًا حتى ساعة موته. لكن الأرض التي أعطاها نشاطه وقوته وصحته لم تعطه إلا القليل ولم تكافأه إلا بالتعب والشقاء وقلة الراحة.

في الماضي ربط بعض الفلاحين الصغار أنفسهم بقوة نحو الأرض والفلاحة لا من أجل الغنى والثروة. لا أظن، إنما فقط من أجل تأمين الحدّ الأدنى من الحياة. لم تستطع الأرض والزراعة أن تؤمن شيئًا من ذلك ومن ثمّ اتجه الناس نحو العمل في مجالات أخرى. بقي خارج المدن لا يزال نابضًا بالحياة الزراعية ولا تزال أرضه مباركة معطاءة بأصناف الفواكه والخضراوات على ما في مائها من ملوحة وندرة.

امتهن الآباء القدامى الفلاحة والزراعة في محافظة القطيف لأن تربتها مناسبة وطقسها لا بأس به والماء يمكن الاستفادة منه في زراعة النخيل والفواكه والخضار - حسب درجة الملوحة - التي تختلف من منطقة لأخرى. أما لو توفر الماء الأقل ملوحة وبكميات أكبر لأمكن زراعة - تقريبا - كل الأشجار في واحة القطيف أو ما تبقى منها.

حدائق المنازل كل الشجر يكبر ويثمر فيها، المانجو، البرتقال، التين، كل شيء يخطر في بالك يمكن أن يكبر ويثمر وما ذلك إلا لأنّ الماء في الحدائق المنزلية ملوحته قليلة جدًّا. الأرض يمكن إصلاحها، أما الماء لا يمكن تقليل أو إزالة الأملاح منه دون تكلفة كبيرة.

ربما أنت القارئ الكريم لديك متعة العناية بحديقتك أو لديك قطعة أرض تزرعها وتعرف درجات ملوحة الماء TDS التي تناسب الأشجار. هناك بعض الأشجار أكثر حساسية من غيرها وأقل مقاومة للأملاح. لذلك تبقى نخلة القطيف شجرة كريمة تعطي وإن ارتفعت نسبة الأملاح. نخلة مباركة اشتهرت بعديد الأصناف والأسماء والمذاق.


error: المحتوي محمي